جوهر الحداثة البدوية

عزيزي القارئ... أستميحك عذراً في الحديث عن كتابي على خلاف المعهود الثقافي في قراءة الكتب من نقاد آخرين، ولا بأس فسأستبقهم في ذلك مستبدلاً لقاءات التلفاز و«البودكاست» بالمثقفين للحديث عن كتبهم، باستعراض للكتاب على شكل مقال، خصوصاً أن لا منصة لي في وسائل التواصل حيث أفضل أن يتقدم الكتاب بفكرته فقط، علماً بأن الظهور الإعلامي ليس عيباً، لكني أرى أن الحديث المتلفز عن المشاريع الفكرية يحتاج إلى زمن أطول وأكثر عمقا مما أملكه الآن.

معظم الذين راسلوني كانوا بلا استثناء يعلقون على الكتاب من خلال عنوانه «الحداثة البدوية» باختزال مُخلّ، وغير معترف به بمقياس علم الاجتماع التراثي عند ابن خلدون ولا بمعيار «علم اجتماع البداوة» كما هو في مظانه العلمية الحديثة، وكذلك استغرابهم من وضع صورة الغلاف (قطعة من فنّ السدو) بدلاً من صحراء وجمل، متناسين أن الفهم العلمي لمعنى البداوة سيحررهم من الفهم التقليدي الذي جعل (بدوي الجبل في لبنان) يتوهم نفسه مختلفاً عن (بدوي الصحراء في ليبيا) والعكس، فالكتاب سينقلهم إلى تصورات علمية تحرر الفهم من ضيق المعنى الشعبي إلى رحابة العلم، وترفع مستوى الوعي العربي عموماً، وهذا ما جعلني أرى في الإنتاج البشري في (فن السدو) تكمن ثيمة البداوة التي توحد هذه المنطقة الواسعة من جبال زاغروس حتى سواحل نواكشوط.

فكتاب «الحداثة البدوية» ليس كتاباً عن البدو بالمعنى الشائع «غير العلمي» هذا أول ما يجب أن يعرفه القارئ، فالعنوان فخّ، إنه مصيدة وصياد في آن واحد، والكتاب كله تفكيك لهذا الفخ.

«الحداثة البدوية» عند المؤلف هي حالة معرفية واجتماعية تُصيب أي مجتمع يتبنى أدوات الحداثة دون أن يستوعب مضامينها الحقيقية، هي حداثة تلبس ثياب التقدم وتحمل روح القبيلة في داخلها.

العنوان الفرعي يقول كل شيء: «انحراف العقلانية ومأزق الحرية في العالم العربي.» هذا هو السؤال المركزي للكتاب، لماذا تحوّل مشروع التنوير العربي من عقلانية حقيقية إلى عقلنة مزيفة؟ ولماذا تحولت الحرية من قيمة في ذاتها إلى منظومة تحدد ما يجوز وما لا يجوز؟

بينما الأطروحة المركزية هي في التمييز الجوهري الذي بنى عليه المؤلف كتابه كله وهو الفرق بين مفهومين:

«البدوي حالة اجتماعية لا عرق»: فالبدوي موجود في صحاري أفريقيا، والجزر الإندونيسية الخضراء، وجليد الإسكيمو، والخليج العربي، فأي إنسان يعيش على الحد الأدنى من الوجود ويتنقل وراء مصادر الرزق، هذه هي البداوة، فالبداوة عند المؤلف مفهوم ابن خلدوني: حالة اجتماعية وتاريخية لا صفة عرقية.

أما «الأعرابي فهو السلوك الناتج عن البداوة المُجنَّدة»: فالأعرابي هو السلوك العنيف المتعجرف حين تُجند البداوة لصالح نخبة سياسية أو دينية أو قبلية، والتمييز الجذري في الكتاب مكرر أكثر من مرة: (ليس كل بدوي أعرابيا، لكن كل أعرابي بدوي)، هذا التمييز هو العمود الفقري للكتاب كله، ومن هنا تنبثق «الحداثة البدوية» عندما تأخذ النخب العربية لغة الحداثة وأدواتها، وتُبقي في جوهرها على منطق الأعرابي: التعصب، والغنيمة، والولاء للقبيلة لا للدولة، والأسطورة لا العقل.

أما البنية الفكرية للكتاب فالمؤلف يبدأ بمدخل شخصي نظري على خلاف المعتاد في الكتابة العربية. حيث يروي رحلته الفكرية بشكل مباشر، كيف خرج من كلية الشريعة ليكتشف أن زميله في نفس القاعة الدراسية في التسعينيات أصبح مفتي داعش، هذه التجربة ليست تفصيلاً شخصياً، بل جزء من.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ 4 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 3 ساعات
صحيفة سبق منذ 15 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 14 ساعة
صحيفة سبق منذ 13 ساعة
صحيفة عكاظ منذ 13 ساعة
صحيفة عكاظ منذ 17 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 4 ساعات
قناة الإخبارية السعودية منذ 10 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 9 ساعات