بعد الجدل الأخير.. نعيد نشر شهادة نجيب محفوظ عن «أولاد حارتنا» كاملة من مذكراته لرجاء النقاش

شرارة أزمة «أولاد حارتنا» بدأت بخبر في «الجمهورية» عن تعريضها بالأنبياء

دافع عن الرواية الأستاذ محمد حسنين هيكل ولولاه لكان توقف نشرها في «الأهرام» فورًا

أزمة «أولاد حارتنا» تفجرت بعد نوبل بسبب التفسير الديني للرواية

نجيب محفوظ لم يترك رواياته لتأويلات متفرقة أو قراءات منفصلة عن سياقها، بل قدم بنفسه مفاتيح فهمها وشرح دوافع كتابتها

نجيب محفوظ: «أولاد حارتنا» حلم كبير بالعدالة.. ولم أتوقع أن تُقرأ بهذه الطريقة

نجيب محفوظ: «أولاد حارتنا» أكثر رواياتي إثارة للأزمات والجدل، وهذا الأمر لا يتفق مع حسن النية

اخترت أسماء الشخصيات موازية لأسماء الأنبياء وجعلت من المجتمع انعكاسًا للكون، وكنت أريد بذلك أن تكون القصة الكونية غطاء للمحلية

تردد مؤخرًا على مواقع التواصل الاجتماعي كثير من الأحاديث حول الأديب نجيب محفوظ، وما نُقل بشأن كواليس نشر رواية «أولاد حارتنا» وموقف بعض رموز السلطة منها، وهو ما أعاد إلى الواجهة وقائع تعود إلى عقود مضت.

وبين الروايات والشهادات المختلفة، نعيد نشر ما سجله الأديب نجيب محفوظ بنفسه للكاتب والناقد رجاء النقاش في كتاب «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ»، الصادر عن دار الشروق متناولًا قصة «أولاد حارتنا» وما أحاط بها، وكذلك الملابسات التي ارتبطت بـ«ثرثرة فوق النيل» وغيرها من الروايات، في شهادة صاحبها التي تظل وثيقة مهمة في قراءة تلك المرحلة.

كيف روى نجيب محفوظ القصة؟

يخصص رجاء النقاش الفصل الحادي عشر من كتاب «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ»، والذي جاء بعنوان «أولاد حارتنا.. رواية وأزمة»، للحديث عن الرواية، ناقلًا شهادة الأديب الكبير حول هذه التجربة، فيكتب: لم تثر رواية من الجدل والخلاف مثلما أثارته رواية «أولاد حارتنا» التي كانت أول رواية يكتبها نجيب محفوظ بعد ثورة يوليو ١٩٥٢، وبسببها اتهم في دينه وعقيدته، وصدرت فتاوى متطرفة تبيح دمه. وفي هذا الفصل يتحدث نجيب محفوظ عن وجهة نظره الحقيقية التي كتب على أساسها الرواية، وعن المتاعب التي تعرض لها، ويجيب صراحة عن هذا السؤال: هل حاولت الرواية الإساءة إلى شخصيات الأنبياء؟!

ليرد نجيب محفوظ: «أولاد حارتنا».. هي أول رواية أكتبها بعد قيام ثورة يوليو ١٩٥٢، وسبقتها خمس سنوات من الانقطاع التام عن الكتابة، وتحديدًا بين عامي ١٩٥٢ و ١٩٥٧، وهي من أشق الفترات التي عشتها في حياتي وأصعبها على نفسي. والحقيقة أنني لم أعرف سببًا واضحًا لهذا الانقطاع، بعض الأصدقاء قالوا لي إنه نتيجة إجهاد حدث لي بعد كتابة «الثلاثية»، والتي استغرقت في كتابتها ٤ سنوات متصلة ابتداء من عام ١٩٤٨ وحتى ١٩٥٢. ولكن ربما كان السبب هو أن قيام ثورة يوليو ١٩٥٢ قتل الرغبة عندي في الكتابة، فقد كنت أعتبر الهدف الرئيسي لكتاباتي هو نقد المجتمع المصري ودفعه للتغيير والتطور، وبعد قيام الثورة واتجاهها لتحقيق ما كنت أنادي به، كان السؤال الذي يلح عليّ: ما جدوى الكتابة حينئذ؟! الطريف أنه كان في مكتبي سبعة مشروعات لروايات كنت أنوي كتابتها، منها رواية اسمها «العتبة الخضراء». وقد حكيت فكرتها لعبد الرحمن الشرقاوي فأعجبته جدًا، وقال لي يومها إنه تمنى أن يكتب في هذا الموضوع واستنكر عدم إكمال الرواية، ولما طالت فترة التوقف وأصبحت كالتائه، استقر في وجداني أنني انتهيت كروائي، وأنه لم يعد عندي جديد أقدمه للناس، لدرجة أنني ذهبت إلى نقابة الممثلين وقيدت اسمي ككاتب محترف «للسيناريو»، وكنت قبل ذلك أعمل كهاوٍ في كتابة «السيناريو» مع المخرج صلاح أبوسيف، وتصورت أن كتابة «السيناريو» سوف تكون هي عملي الوحيد الذي يمثل لي العزاء ويسد الفراغ الذي تركه الأدب في حياتي، وكنت في تلك الأيام مقبلاً على الزواج، وتزوجت بالفعل في عام ١٩٥٤، وكان لابد لي من عمل أحصل منه على دخل إضافي أواجه به مسئوليات الزواج والأسرة الجديدة. وفي أيام عملي كسيناريست محترف زاد دخلي بشكل ملحوظ مقارنة بأيام عملي كروائي، والحقيقة أن فترة عملي في كتابة «السيناريو» كانت من أحسن فترات حياتي من الناحية المادية.

في عام ١٩٥٧ شعرت بدبيب غريب يسري في أوصالي، ووجدت نفسي منجذبًا مرة أخرى نحو الأدب. وكانت فرحتي غامرة عندما أمسكت بالقلم مرة أخرى، ولم أصدق نفسي عندما جلست أمام الورق من جديد لأعاود الكتابة. وكانت كل الأفكار المسيطرة عليّ في ذلك الوقت تميل ناحية الدين والتصوف والفلسفة. فجاءت فكرة رواية «أولاد حارتنا» لتحيي في داخلي الأديب الذي كنت ظننته قد مات. ولذلك لاحظ النقاد تغييرًا في أسلوبي واتجاهاتي الأدبية وهم يقارنون رواية «أولاد حارتنا» بما سبقها من أعمال. فهي لم تناقش مشكلة اجتماعية واضحة كما اعتدت في أعمالي قبلها، بل هي أقرب إلى النظرة الكونية الإنسانية العامة، ومع ذلك فرواية «أولاد حارتنا» لا تخلو من خلفية اجتماعية واضحة. ولكن المشكلات التي صاحبتها والتفسيرات التي أعطيت لها، جعلت كثيرين لا يلتفتون إلى هذه الخلفيات.

نشرت رواية «أولاد حارتنا» في جريدة «الأهرام» كحلقات مسلسلة، ولهذا النشر قصة أخرى، لأنني كنت أرفض من قبل أسلوب النشر المسلسل هذا. ففي سنة ١٩٥٧ حصلت على «جائزة الدولة»، وهي جائزة قديمة أخرى غير جائزة الدولة الحالية والتي تأسست اعتبارًا من العام ١٩٥٨ وكانت قيمتها المالية ألفي جنيه مصري، وحصل عليها في نفس العام الدكتور محمد كامل حسين عن روايته «قرية ظالمة». وقد ضاع مبلغ الألفي جنيه بعد ذلك في عملية نصب تعرضت لها، حيث دفعتهما لشراء فيلا وهمية على النيل، ولمناسبة حصولي على جائزة وتكريمًا لي أقام إحسان عبد القدوس حفلاً في منزله القديم الكائن بشارع قصر العيني، ودعا إليه عددًا كبيرًا من الأدباء والصحفيين على رأسهم كامل الشناوي، وتربطني بإحسان عبد القدوس علاقة شبه عائلية، منذ أن كان جارًا لنا في شارع «رضوان» بالعباسية، وقد ولد إحسان في هذا الشارع، ونشأت بيننا علاقة حميمة بعد أن انتقلنا من الجمالية لنسكن نفس الشارع، وقبل أن أتعرف عليه ربطت الصداقة بيني وبين ابن عمة له.

في حفل التكريم الذي أقامه لي إحسان عبد القدوس اقترب مني على حمدي الجمال مدير تحرير «الأهرام» في ذلك الوقت، وقال لي: إنه يكلمني باسم الأستاذ محمد حسنين هيكل رئيس التحرير، وأنه يريد مني رواية لتنشر في الجريدة على حلقات مسلسلة، لم أكن بدأت في كتابة رواية «أولاد حارتنا»، وبالتالي اعتذرت بأنه ليس لدي الآن رواية جاهزة للنشر، ووعدت «الجمال» بأن أول رواية أكتبها سأرسل بها إلى «الأهرام». وانتهيت من كتابة رواية «أولاد حارتنا» في شهر أبريل سنة ١٩٥٨، حيث استغرقت كتابتها سنة «نجيبية»، حيث تبدأ سنة الكتابة عندي في شهر أكتوبر وتنتهي في شهر أبريل، وتذكرت بعد أن انتهيت من الرواية الوعد الذي قطعته على نفسي، فاتصلت بالأستاذ على حمدي الجمال، واتفقنا على موعد، وذهبت إليه بأوراق الرواية التي قرأها وأعجب بها وصرح بنشرها دون أي ملاحظات. ويبدو أن الأستاذ الجمال قرأها على أنها رواية عادية عن حارة مصرية يقع بها صراع بين مجموعة من الفتوات.

وبدأت جريدة «الأهرام» في نشر الرواية، ومرت حلقاتها الأولى دون أن تظهر أي ملاحظات عليها، فالجزء الأول من الرواية لا يسبب أية مشاكل. ولكن الأزمة بدأت بعد أن نشرت الصفحة الأدبية بجريدة «الجمهورية» خبرًا يلفت فيه كاتبه النظر إلى أن الرواية المسلسلة التي تنشرها جريدة «الأهرام» فيها تعريض بالأنبياء. بعد هذا الخبر المثير، بدأ البعض، ومن بينهم أدباء للأسف، في إرسال عرائض وشكاوى إلى النيابة العامة ومشيخة الأزهر، بل وإلى رئاسة الجمهورية، يطالبون فيها بوقف نشر الرواية وتقديمي إلى المحاكمة. وبدأ هؤلاء يحرضون الأزهر ضدى على أساس أن الرواية تتضمن كفرًا صريحًا، وأن الشخصيات الموجودة في الرواية ترمز إلى الأنبياء، وقد عرفت هذه المعلومات عن طريق صديق لي هو الأستاذ مصطفى حبيب الذي كان يعمل سكرتيرًا لشيخ الأزهر، وكان شقيقه يعمل وكيل نيابة، وهو الذي أخبرني أن أغلب العرائض التي وصلت إلى النيابة العامة أرسلها أدباء.

وخدع رجال الأزهر في هذه الأزمة، لأنهم لم يحسنوا قراءة الرواية وفهمها، بل إن بعضهم لم يقرأ رواية أدبية من قبل، ومن هنا فسروا رواية «أولاد حارتنا» تفسيرًا دينيًا، ورأوا أن شخصية أدهم في الرواية ترمز إلى آدم، وشخصية جبل هي موسى، وشخصية رفاعة هي شخصية المسيح، أما شخصية قاسم فهي شخصية محمد عليه الصلاة والسلام... وهكذا. دافع عن الرواية الأستاذ محمد حسنين هيكل، ولولاه لكان توقف نشرها في «الأهرام» فورًا.

وبعد انتهاء نشر رواية «أولاد حارتنا» في «الأهرام» قابلني الدكتور حسن صبري الخولي الممثل الشخصي للرئيس عبد الناصر، وكان رجلاً في غاية اللطف، وقد سبق لنا العمل معًا في الرقابة، هو في رقابة النشر، وأنا في الرقابة على المصنفات الفنية. قال لي «الخولي» إنه لا يستطيع أن يسمح بنشر رواية «أولاد حارتنا» في مصر - ككتاب - لأنه في حال صدوره ستحدث مشكلة كبيرة مع الأزهر، ولكن من الممكن أن تنشر الرواية خارج مصر. واقترح علىّ «الخولي» ترتيب لقاء مع عدد من شيوخ الأزهر لمناقشة الرواية، ورحبت بالاقتراح، فاتفق معي على أن أحضر إلى مكتبه في يوم محدد، وسوف يدعو هو بعض شيوخ الأزهر لإجراء المناقشة معي. وفي الموعد المحدد ذهبت إلى مكتب «الخولي»، فلم أجد أحدًا. وقال لي «الخولي» إنه سوف يتصل بي لإتمام اللقاء المقترح عندما يتجمعون، ومازلت في انتظار المقابلة منذ أكثر من خمسة وثلاثين عامًا، ولم تتم. وأذكر أنه في أحد اجتماعات المجلس الأعلى للثقافة جلس إلى جانبي شيخ الأزهر، ودار بيننا حديث ودي للغاية، لكنه كان متحفظًا على قضية رواية «أولاد حارتنا».

نامت الأزمة فترة طويلة حتى انفجرت في اليوم التالي لحصولي على جائزة نوبل، خاصة بعد ما تردد أنني حصلت عليها بسبب هذه الرواية، على الرغم من أن آخر ما جاء ذكره في تقرير الجائزة هو هذه الرواية. وفي اعتقادي أن سبب الأزمة هو التركيز على التفسير الديني للرواية، مع أن هناك تفسيرات أخرى، فالرواية الواحدة يمكن تفسيرها بأكثر من تفسير.

رواية «ثرثرة فوق النيل» مثلاً كتبتها كتعبير عن عزلة المثقفين وعلاقتهم المضطربة بالسلطة، ولكن قد يفسرها البعض على أنها رواية فلسفية تعبر عن عزلة الإنسان في الكون. ورغم أن رواية «ثرثرة فوق النيل» تعبر عن مشكلة محلية إلا أن البعد الإنساني فيها جعلها تحظى بشعبية كبيرة في الخارج عند ترجمتها إلى عدة لغات منها الفرنسية والألمانية. وبهذه المناسبة أذكر أنه بعد حصولي على جائزة نوبل تولت الجامعة الأمريكية بالقاهرة تنظيم عملية ترجمة رواياتي للغات الأجنبية.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من جريدة الشروق

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة الشروق

منذ 7 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ ساعتين
منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
مصراوي منذ 9 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 8 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 9 ساعات
بوابة أخبار اليوم منذ 11 ساعة
بوابة الأهرام منذ 8 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 9 ساعات
بوابة الأهرام منذ 8 ساعات
مصراوي منذ 6 ساعات