الحلقة الثالثة
تناولنا في الحلقة الثانية المفاهيم المختلفة للشراكات السياسية والإعلامية الاستراتيجية للدولة الأردنية لمواجهة التحديات والتهديدات، وسنتابع في هذه الحلقة الحديث عن المرتكزات الاستراتيجية لنجاح هذه الشراكات، ومن أهم هذه المرتكزات :
1. الواقعية السياسية. حيث يمكن أن تحقق الواقعية السياسية إسهامًا فاعلًا في إنجاح هذه الشراكات، حيث أنها تشكل مدرسة فكرية في العلاقات الدولية والعلوم السياسية، حيث أن سلوك الواقعية السياسية تحكمه المصلحة الوطنية والقوة والأمن أكثر من المبادئ المثالية، على اعتبار أن النظام الدولي يقوم على حالة من التنافس والصراع بسبب غياب سلطة عالمية عليا تُلْزِم الدول بالقانون الدولي بشكل متكامل، بمعنى آخر فإن الواقعية السياسية تشكل اتجاهًا فكريًا يفسر العلاقات الدولية انطلاقًا من نظرية القوة والمصلحة، بمعنى السعي لتحقيق القوة ولحماية المصالح الوطنية، وترى أن الأمن الوطني وبقاء النظام السياسي واستمراريته هما هدفان رئيسان للدولة في ظل بيئة دولية تتسم بالفوضى والتنافس، وهذا يرتكز على أن الدولة هي الوحدة السياسية الفاعلة في السياسة الدولية، بمعنى أن الدول وليس الأفراد والمنظمات هي الفاعل الرئيس في مجال تحقيق المصالح الوطنية العليا التي توضع فوق كل الاعتبارات، وأن الدول تأخذ قراراتها بناء على تحقيق أمنها واستقرارها، ويحقق لها نفوذًا يخدم توجهاتها ومتطلبات أمنها الوطني، على اعتبار أن بنية النظام الدولي نفسها هي التي تثير شهية التنافس، وهناك فرق واضح بين المثالية السياسية والواقعية السياسية، حيث أن المثالية السياسية تركز على القيم والأخلاق، بينما الواقعية السياسية تركز على القوة والمصلحة، والمثالية تؤمن بالتعاون الدولي، فيما ترى الواقعية أن الصراع أمر طبيعي بين الدول، وفي حين تعطي المثالية أولوية للقانون الدولي فإن الواقعية تعطي الأمن أولوية أولى، وحيث تعتمد المثالية على المؤسسات الدولية فإن الواقعية تعتمد على التوازنات الدولية، وهنا من الطبيعي أن تظهر تطبيقات الواقعية السياسية من خلال بناء التحالفات العسكرية والسعي لإيجاد سياسات قوية للردع، وكذلك تظهر من خلال الإدارة الناجحة للأزمات والحروب مع التركيز على حماية الأمن الوطني والاستجابة لمطالبه، وهنا يبرز التنافس على النفوذ الإقليمي والدولي بشكل أوضح، وتُلاحظ مثل هذه الحالات من خلال تفسير الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين وبعض الدول الأخرى في المنظومة الدولية صغر حجمها أم كبًر حيث تستند الدول إلى هذا المرتكز لتحقيق مطالب أمنها الوطني على المستوى الداخلي، والقومي على المستوى الخارجي، وخلاصة الأمر فإنّ الواقعية السياسية تنظر إلى العالم باعتباره ساحة تنافس، حيث تسعى كل دولة إلى المحافظة على بقائها وإلى تحقيق وحماية مصالحها الوطنية والقومية، حتى وإن تعارض ذلك في بعض الأحيان مع الاعتبارات الأخلاقية أو القانونية والأمثلة كثيرة على مثل هذا الواقع السياسي.
2. المرونة الاستراتيجية. وتبرز هنا قيمة وأهمية هذا المرتكز، حيث يُطلب من الاستراتيجية الوطنية للدولة أن تتصف بمعايير المرونة الاستراتيجية التي تعني قدرة الدولة أو المؤسسة أو التنظيم على التكيف الفعال مع المتغيرات والتغييرات والتهديدات والتحديات مع الحفاظ على الأهداف والمصالح السياسية للدولة - التي تتمثل في الحفاظ على النظام والأمن وتقديم الخدمات السياسية وتنظيم العلاقات الدولية التي تتمثل في الأنشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما تتمثل في حماية حقوق الإنسان وتحقيق العدالة الاجتماعية - والتي يمكن تحقيقها من خلال توفير وامتلاك بدائل وخيارات متعددة تسمح بالاستجابة السريعة، وإعادة التموضع دون فقدان القدرة على الاستمرار والتأثير.
وهنا على الاستراتيجية الوطنية أن توظف مفهوم المرونة الاستراتيجية في مجالات متعددة مثل الدراسات الاستراتيجية وفي التعامل مع متطلبات الأمن الوطني والإدارة العسكرية والاقتصاد وكذلك في مجالات إدارة الأزمات، وهذا يتطلب أن يكون لدى الدولة قدرات تسندها، وتعمل على تطوير قدراتها كفاعل استراتيجي بحيث تستطيع امتصاص الصدمات، والتكيف مع التحولات الداخلية والخارجية التي قد تحدث، وأن تتوافر لديها الإمكانات في إعادة تنظيم الموارد والقدرات بصورة تضمن استدامة الأداء وتحقيق الأهداف الاستراتيجية طويلة المدى، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المرونة الاستراتيجية لها ارتباط مباشر بمفاهيم أخرى مثل : التكيف، الصمود، الاستجابة السريعة، إدارة المخاطر، واستمرارية العمل.
وللمرونة الاستراتيجية أشكال مختلفة تتعلق بالمرونة السياسية والمرونة العسكرية والمرونة الأمنية التي تقوم على أساس إعادة توزيع القوات العسكرية والموارد وتغيير أساليب العمل وفق طبيعة الأهداف المستجدة مثل الحروب التقليدية وغير التقليدية والتهديد السيبراني ومواجهة الإرهاب والحروب الهجينة، ويضاف إلى أشكال المرونة هذه ضرورة المرونة الإعلامية والمجتمعية من خلال امتلاك خطاب إعلامي ومجتمعي قادر على احتواء الشائعات والحرب النفسية والعمليات النفسية والمحافظة على تماسك الجبهة الداخلية، ويُذكر هنا بان المرونة الاستراتيجية تعطي ميزات مهمة للاستراتيجية الوطنية من أهمها : تعزيز قدرات الدولة على التنبؤ المبكر بالمخاطر، وتساعد في سرعة اتخاذ القرار، وتتيح تنّوعًا في البدائل الاستراتيجية، وتعزز القدرة على التعلم من الأزمات وإعادة بناء القدرات بعد امتصاص الصدمة الأولى كما تساعد على تحقيق التوازن بين حالات الثبات ومتطلبات التغيير.
وفي الحالة الأردنية فإن المرونة الاستراتيجية تعزز قدرات الدولة على إدارة التوازنات الإقليمية وسط بيئة إقليمية متغيرة منطقة الشرق الأوسط، وتمكنها من الحفاظ على الاستقرار الداخلي رغم الضغوط الاقتصادية والإقليمية والدولية، وتهيء لها فرصًا أوسع لتنويع الشراكات السياسية والعسكرية والإعلامية، وتطوير قدرات الدولة في مجالات الأمن السيبراني والمجال الاستخباراتي، مثلما تعزز مواقف وسلوكيات الدولة في التعامل مع أزمات اللجوء والحدود بطريقة تلبي متطلبات الأمن الوطني الأردني، إضافة لما تحسنه هذه المواقف والقدرات والسلوكيات السياسية والعسكرية من صقل للصورة الذهنية الإيجابية للدولة الأردنية كدولة فعلها كبير قياسًا مع حجمها ومساحتها الأقل، حيث استطاعت توظيف مفهوم المرونة الاستراتيجية بنجاح للحفاظ على استقرارها وأمنها في بيئة إقليمية وربما دولية تزيد فيها نسبة الاضطرابات، حيث يُعَد الأردن من أكثر الدول التي طبّقت مفهوم المرونة الاستراتيجية بصورة عملية نتيجة موقعه الجيوسياسي الحساس، ووقوعه في بيئة إقليمية مضطربة يتوالى فيها حدوث أزمات متلاحقة، وبخاصة في دول الجوار، بالإضافة إلى تحديات الإرهاب واللاجئين والضغوط الاقتصادية، حيث استند في ذلك على السعي لتحقيق مصلحة عليا تتمثل في الحفاظ على استقرار الدولة واستمرارية مؤسساتها عبر التكيف المستمر مع البيئتين الإقليمية والدولية دون الانخراط المباشر في الصراعات الجارية.
ومن الأمثلة الواقعية على ذلك : تعزيز الأردن لأمنه الحدودي في مناطق جنوب سوريا، وتجنب الانخراط العسكري المباشر داخل الأراضي السورية على الحدود الشمالية للأردن، ومن الأمثلة على ذلك في الحالة الأردنية أيضاً التنسيق الواضح والمتكامل مع القوى الإقليمية والدولية المختلفة، الأمر الذي يجسد قدرة الدولة الأردنية على حماية مصالحها العليا دون الاشتباك او التورط الاستراتيجي في أبعاد.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور الأردنية
