كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة ليلًا عندما كنا نجلس أنا وذعار في فناء "الاستراحة" على أطراف المدينة، الهواء حار على غير عادة الليل، و"بيالة" الشاهي أمام كل واحد منا يرسل بخارًا خفيفًا يتلاشى قبل أن يرتفع.
كان ذعار منشغلًا بتقليب مسبحته، بينما كنت أتصفح هاتفي وأقرأ عشرات التغريدات والمنشورات التي كُتبت عن شخصية عامة رحلت.
أغلقت الهاتف وقلت:
"يا ذعار... لاحظت شيء يتكرر كل مرة."
رفع رأسه وقال:
"وش هو؟"
قلت:
"كل ما رحل شخص مؤثر، فجأة يصير الجميع يعرف فضله الصحف تمتلئ بالمقالات، والناس تستعيد الصور والذكريات، وتبدأ الشهادات تتدفق من كل اتجاه كأن المجتمع لا يكتشف قيمة الناس إلا بعد غيابهم."
ابتسم ذعار وهو يرفع فنجال الشاي.
وقال:
"وهل هذا عيب؟"
قلت:
"ليس عيبًا بقدر ما هو سؤال لماذا يتأخر الاعتراف؟"
عدل جلسته وقال:
"لأن الناس ما تشوف الصورة كاملة إلا بعد ما تنتهي."
هززت رأسي معترضًا.
قلت:
"هذا التبرير نردده دائمًا لكن الإنجاز ما يولد يوم الوفاة الإنجاز يولد في سنوات التعب والعمل والقرارات الصعبة."
قال ذعار:
"لكن الإنسان وهو حي يختلف الناس حوله هذا يمدحه وذاك ينتقده أما إذا رحل، هدأ الجدل وبقي أثره."
سكت قليلًا ثم أكمل:
"خذ أي شخصية كبيرة مرت علينا أثناء حياتها كان حولها مؤيدون ومعارضون وبعد سنوات يتحول النقاش كله إلى سؤال واحد: ماذا بقي من أثرها؟"
أعدت النظر إلى فنجال الشاي.
ثم قلت:
"وهنا المشكلة يا ذعار نحن لا نوثق التجربة إلا بعد أن تنتهي."
ضحك وقال:
"أنتم يا أهل الإعلام تحبون التوثيق أكثر من اللازم."
قلت:
"لأن الأمم تُبنى بالذاكرة."
نظر إليّ باستغراب.
فأكملت:
"تأمل أسماء كثيرة أصبحت اليوم جزءًا من الذاكرة الوطنية عندما نتحدث عن غازي القصيبي مثلًا، نتذكر الأديب والإداري والمفكر نستعيد كتبه ومواقفه وأفكاره لكن من عاش مراحل مختلفة من حياته يعرف أنه لم يكن محل إجماع دائم."
هز ذعار رأسه موافقًا.
قلت:
"تعرض للنقد كما تعرض للإشادة اختلف الناس معه كما اتفقوا عليه لكن الزمن أعاد ترتيب الصورة."
قال ذعار:
"وهذا يؤكد كلامي."
قلت:
"بل يؤكد كلامي أنا."
ضحك.
فسأل:
"كيف؟"
قلت:
"لأننا لم نوثق التجربة كما يجب وهي تحدث تركنا السنوات تمر، ثم بدأنا نقرأ الحصيلة بعد النهاية."
سكت قليلًا.
فأضفت:
"الأمر نفسه مع نجيب محفوظ اليوم نتعامل معه بوصفه أحد أعمدة الأدب العربي لكن أثناء حياته كانت حوله معارك فكرية ونقاشات لا تنتهي."
قال ذعار:
"هذه طبيعة الحياة."
قلت:
"صحيح لكن الضجيج اختفى وبقي الأثر السؤال: لماذا ننتظر اختفاء الضجيج حتى.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة سبق
