يروي المثل الصيني أن حشرة تتتبع فريستها -لا تدرك أن طائرًا خلفها يطل بصافرة لا تسمع- وكأن المصيبة لا تأتي من غياب الانتباه فحسب، بل من حضور العمى؛ وبين عين لا ترى ما خلفها، وعقل لا يعترف بما يراد له، يبدأ الطريق إلى الانقياد: نتحرك لأننا قيل لنا إن الحركة واجب، ونقتنع لأننا قيل لنا إن الاقتناع دليل نضج، وحين يعاد تعريف الخير والشر بلغة لامعة، يصبح الخطر أشبه بعبارة على ورق نظيف، لا بصفعة على الوجه!
ثم يظهر معنى آخر، أكثر قسوة في بساطته: المطابقة المفرطة؛ أن تبتسم للجميع حتى تختفي داخل ابتسامتك، وأن تسوي صوتك مع الضجيج، لا لأنك مقتنع، بل لأنك تخاف أن تلام. في زمن كهذا لا يعود النقص في المعلومات هو المشكلة الوحيدة؛ المشكلة أن الوضوح نفسه يعامل كعار، وأن الأسئلة الصادقة تقدم كتهديد؛ وعندما تصبح «الطلاقة في الإرضاء«أهم من»الدقة في التفكير«، لا يبقى جوهر يختبر؛ يبقى وجه يعرض.
يتحدث خطباء- من دول تدعي قيادة العالم بالتكنولوجيا، وبالقوة العسكرية، وبالقدرة الإعلامية- عن معالجة «التضليل والمعلومات المضللة»! لكن حين تفكك التسمية، تتبدى الغاية: ليس حماية الحقيقة بقدر ما هو ضبط من يملك حق القول؛ فكل رأي يختلف يصير معرضًا للوسم، وكل اعتراض يصاغ كتهمة قبل أن يسمع! هكذا لا تواجه الكذبة وحدها؛ بل تستهدف الأذن التي قد تصدق الحقيقة، وحين يدار الرأي العام بهذه الطريقة، لا يكون الإعلام قناة للمعرفة، بل بوابة لتوجيه العقول.
ويضيف هؤلاء أنفسهم- في خطابات تشعر المستمع أن الكون يميل إلى الانقسام- أن هناك انقسامات متنامية داخل المجتمعات؛ لكن ما معنى الانقسام إذا كان جزء منه نتاج صحوة الناس وتمسكهم بحقهم في الفهم؟ هنا تتبدل الدلالة: يصبح وعي الشعوب «مشكلة» لا «تشخيصًا«، وعندما يختفي تعريف المشكلة الحقيقي، يتحول الحل إلى محاولة استعادة السيطرة قبل أن يتحول الوعي إلى مساءلة. فإذا كانت السلطة تخشى»اليقظة«، فهي لا تبحث عن وحدة الناس؛ بل عن صمتهم.
ثم ترفع راية «العصر الذكي»؛ تعرض التكنولوجيا كأنها وعد لا قيد، وكأن المراقبة مجرد خدمة، وكأن الأتمتة خلاص! لكن تحت هذا السقف الجميل تلوح فكرة شرسة: تحويل الإنسان إلى رقم، وتحويل الحرية إلى إجراء، وتحويل القرار إلى تحليل موجه! قد يقولون إنهم يقدمون فرصًا عظيمة لنهضة جديدة، غير أن السؤال الذي لا يليق أن نؤجله طويلًا هو: نهضة لمن؟ ولمن ستكون أدواتها؟ ومن يملك القدرة على إعادة كتابة حدود الممكن؟
حين تتكاثف هذه الرسائل، يتضح خيط واحد يربطها جميعًا: تفتيت الوعي ثم إعادة بنائه وفق مقاس سلطتهم!
»المخاطر«تستخدم أحيانًا كقناع لانتزاع حقوق، و»التقدم«يقدم كذريعة لرفع القيود، و»الأمن«يحول إلى طريقة لتطبيع الخضوع؛ وعلى هذا النحو لا يعود الاستبدال بين القديم والجديد استبدالًا تقنيًا فقط، بل استبدالًا أخلاقيًا: يصبح الحق قابلًا للتعديل، وتصبح الحقيقة قابلة للتصفية، وتصير الاختلافات قابلة للمصادرة باسم الاستقرار!
لكن الإنسان ليس مادة يمكن برمجتها دون مقاومة داخلية؛ يقول سانت- إكزوبيري شيئًا يعلمنا جوهر البناء: إن أردنا سفينة لا نصنعها بحشد الرجال وإصدار الأوامر وتوزيع المهام، بل بتعليم الناس أن يشتاقوا إلى البحر الواسع؛ هذا الاشتياق ليس رومانسية فقط؛ إنه.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
