د. جهاد يونس القديمات تعد السعادة الأكاديمية لدى الهيئة التدريسية في الجامعات الأردنية من الموضوعات الحديثة التي فرضت نفسها بقوة في مجال دراسات الإدارة الجامعية، كونها ترتبط بشكل مباشر بجودة الأداء الأكاديمي واستقرار العملية التعليمية داخل الجامعات، وهذا المقال يتناول هذا المفهوم من زاوية أعضاء الهيئة التدريسية فقط دون التطرق إلى الطلبة الجامعيين، وذلك لأن طبيعة الأدوار والمسؤوليات والضغوط تختلف بشكل جذري بين الطرفين داخل الجامعة، فعضو هيئة التدريس يتعامل مع منظومة معقدة من الالتزامات التعليمية والبحثية والإدارية والتنظيمية، بينما تختلف طبيعة التجربة الأكاديمية لدى الطلبة من حيث المصادر والدوافع والأهداف، الأمر الذي يجعل من الضروري فصل هذا المفهوم وتحليله بشكل مستقل لفهم أبعاده الحقيقية وانعكاساته على جودة التعليم العالي في الأردن.
تقوم السعادة الأكاديمية لدى أعضاء الهيئة التدريسية على مفهوم مركب يجمع بين الرضا الوظيفي والانتماء الجامعي والشعور بالإنجاز المهني داخل البيئة الجامعية، وهي ليست حالة نفسية عابرة بل نتاج تفاعل مستمر بين مجموعة واسعة من العوامل التنظيمية والإدارية والبحثية والأكاديمية والاجتماعية، فلم يعد عضو هيئة التدريس مجرد ناقل للمعرفة بل أصبح فاعلا رئيسا في إنتاجها وتطويرها وإعادة تشكيلها بما يخدم المجتمع والمعرفة في آن واحد، ولذلك فإن مستوى رضاه وسعادته ينعكس بصورة مباشرة على جودة المخرجات التعليمية والبحثية وعلى سمعة الجامعة ومكانتها العلمية، وهو ما جعل هذا الموضوع يحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية والتربوية في الأردن وخارجه.
تشير الأدبيات الحديثة إلى أن بيئة العمل الأكاديمي داخل الجامعات الأردنية تمثل حجر الأساس في تشكيل مستوى السعادة المهنية لدى أعضاء هيئة التدريس، حيث إن جودة البنية التنظيمية ووضوح السياسات الإدارية وتوفر الدعم الفني والإداري مجتمعة تشكل الإطار الذي يتحرك داخله الأكاديمي في عمله اليومي، فعندما تتوفر مكاتب مجهزة بشكل مناسب وأنظمة إلكترونية فعالة لرصد العلامات والتواصل مع الطلبة وقاعات تدريس مريحة ومهيأة، فإن ذلك يخلق حالة من الاستقرار المهني ويقلل من الضغوط اليومية، وفي المقابل فإن البيئات التي تتسم بالبيروقراطية وضعف التنظيم وقلة الموارد تؤدي إلى زيادة التوتر المهني وتراجع الشعور بالإنجاز، وهو ما تؤكده دراسات عديدة في التعليم العالي التي تربط بين المناخ التنظيمي الإيجابي وارتفاع مستوى الرضا الوظيفي والإنتاجية الأكاديمية لدى أعضاء هيئة التدريس.
كما يعد العبء التدريسي والإداري من أكثر العوامل تأثيرا في السعادة الأكاديمية، حيث يعاني عدد كبير من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الأردنية من ارتفاع الالتزامات التدريسية مقابل محدودية الوقت المخصص للبحث العلمي، فحين يتم توزيع الأعباء بشكل غير متوازن أو تزداد الساعات التدريسية مع كثرة اللجان والمهام الإدارية دون توفير دعم كاف أو تخفيف مناسب فإن ذلك يخلق ضغطا مهنيا مستمرا ينعكس على مستوى الرضا العام، وكلما زاد هذا العبء تراجعت قدرة الأكاديمي على الإبداع العلمي والشعور بالإنجاز، وقد بينت الدراسات أن ارتفاع الضغط الوظيفي يرتبط بزيادة معدلات الاحتراق النفسي وانخفاض مستويات الرضا المهني داخل الجامعات، خصوصا عندما لا يقابله نظام دعم جامعي واضح أو حوافز عادلة.
من الجوانب الجوهرية كذلك مسألة العدالة التنظيمية داخل الجامعات، حيث يشكل الشعور بالعدالة في توزيع المهام وفرص الترقية والحوافز البحثية عاملا محوريا في تشكيل السعادة الأكاديمية، فعضو هيئة التدريس لا يقيم تجربته المهنية بناء على حجم العمل فقط بل بناء على مدى عدالة توزيع هذا العمل والمعايير التي تحكم التقييم والترقية، وعندما يشعر الأكاديمي بأن القرارات الإدارية تتسم بالشفافية والإنصاف وتستند إلى معايير واضحة ومعلنة فإن ذلك يعزز الانتماء الجامعي ويرفع مستوى الدافعية، بينما يؤدي غياب العدالة أو غموض المعايير إلى خلق حالة من الإحباط وتراجع الولاء، وهو ما أكدته العديد من الدراسات في بيئات الجامعات الأردنية الخاصة والعامة.
كما يحتل البحث العلمي موقعا مركزيا في مفهوم السعادة الأكاديمية، باعتبار أن عضو هيئة التدريس هو باحث قبل أن يكون مدرسا، ولذلك فإن توفر الدعم للبحث العلمي من حيث التمويل وتوفير بيئة نشر علمي مناسبة يشكل عاملا حاسما في رفع مستوى الرضا المهني، ويتجلى ذلك في دعم المشاركة في المؤتمرات الدولية أو تحمل رسوم النشر في المجلات المحكمة أو توفير قواعد بيانات علمية متقدمة، فكلما شعر الأكاديمي بأنه قادر على إنتاج معرفة جديدة ونشرها في بيئة داعمة ارتفعت درجة الرضا الداخلي لديه، بينما يؤدي ضعف هذا الدعم إلى تراجع الدافعية العلمية والشعور بالجمود المهني في ظل المنافسة الأكاديمية العالمية.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
