القائد الأندلسي «غالب الناصري».. جهاد كبير وموت مثير

يحفل التاريخ الاندلسي بسير القادة والزعماء السياسيين الذين استطاعوا أن يسجلوا أسماءهم في سجلاته، بل كان ظهور بعضهم يمثل بداية أو نهاية مرحلة من العصر الذي عايشوه، وفي الأندلس، فردوس المسلمين المفقود، تختلط البطولات بالخيبات، والانتصارات بالهزائم، والعزائم بالخذلان، والوفاء بالخيانة، واليوم نتصفح سيرة أحد هؤلاء الرجال، إنه القائد الأندلسي غالب الناصري.

هو القائد الأعلى أبو عثمان غالب بن عبد الرحمن الناصري، شيخ موالي الأندلس قاطبة، وفارس الأندلس في عهده، تولى القيادة العليا للجيوش الأندلسية، ولُقب لوحده بذي السيفين، استعان به أمير الأندلس المَنْصُور أَبُو عامِر محمد بن أبي عامر (ت392هـ/ 1002م) ؛ للتخلص من سطوة الحاجب جعفر المصحفي، مُدبر الدولة في عهد الخليفة الأموي بالأندلس الحكم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر (350-366هـ/961-976م)، ثم انقلب عليه، فجرى الصدام العسكري بينهما، وقد مات غالب فجأة يوم السبت الرابع من شهر محرم سنة 371هـ/982م وعمره نحو ثمانين عاماً.

كان غالب الناصري من أكابر دولة الحكم المستنصرالأُمَوي (ت366هـ/ 976م)؛ فقد برز ذكر القائد غالب لأول مرة سنة 335هـ/946م، عندما كلفه الخليفة عبد الرحمن الناصر بالخروج على رأس جيش كبير لإعادة بناء مدينة سالم (Medina Sedonia) أو (Medinaceli)، إحدي مدن الثغر الأوسط بالأندلس، ومن ثم قاد غالب العديد من الحملات العسكرية الناجحة، وعندما هاجم النورمانديون السواحل الغربية للأندلس في أوائل رمضان سنة (360هـ/971م) عهد الخليفة المستنصر إلى قائده غالب الناصري بالإشراف العام على القوات البرية والبحرية "لضلاعته وغنائه وعلمه بثقوب نظره".

ولم يمض وقتا حتى عادت مراكب النورمان تجوس خلال المياه الغربية وتهدد شواطئ ولاية الغرب، فعهد الحكم إلى أمير البحر عبد الرحمن بن رماحس بتسيير الأسطول من ألمرية وإشبيلية، واجتماع قوى الأندلس البحرية كلها لمواجهة الغزاة، كما عهد الحكم إلى الوزير القائد غالب بن عبد الرحمن بأن يشرف على القوات البرية والبحرية التي أعدت لمدافعة أولئك الغزاة، وأمر صاحب الخيل والحشم زياد بن أفلح بإخراج السلاح والعدة، وحشد قوة مختارة من الجند.

بيد أنه لم تقع - فيما يبدو - أية معارك هامة بين المسلمين والغزاة، فبادر الحكم في نفس الوقت، بحشد جيش جديد، ندب لقيادته مولاه ووزيره وكبير قواده غالباً بن عبد الرحمن الناصري وأمده عددا من الجند الكثيف، والعتاد الضخم، بأموال جليلة لاستمالة القبائل، وأمره أن يشتد في قتال الأدارسة، وأن يستأصل شأفتهم، وأن يطهر المغرب من كل القوى المناوئة لبنى أمية، وعلى رأسها قوى الحسن بن كنون وقال له: "سر يا غالب مسير من لا إذن له في الرجوع إلا حياً منصوراً، أو ميتاً معذوراً، وابسط يدك في الإنفاق، فان أردت نظمت للطريق بيننا قنطار مال".

خرج غالب في قواته الجرارة من قرطبة، وعبر البحر من الجزيرة الخضراء إلى قصر مصمودة - القصر الصغير - وذلك في الحادي عشر من رمضان سنة 362هـ/872م، وعلم الحسن بن كنون بمقدمه، وعظيم أهبته، فغادر مدينة البصرة، الواقعة في الجنوب حيث كان يقيم، ولجأ بأهله وأمواله وذخائره إلى قلعة حجر النسر، الواقعة شمالها.ثم جمع قواته وخرج لقتال جيش الحكم، ونشب القتال بين الفريقين أياماً، وبث غالب في رؤساء البربر من غمارة وغيرهم من جند الحسن، الأموال والهدايا، فانفصلوا عنه، واضطر الحسن أن يمتنع بمن بقى معه في قلعة حجر النسر، فطارده غالب وضرب الحصار حول القلعة.

وفى أوائل شوال بعث الحكم ثقته محمد بن أبي عامر إلى العدوة بأحمال من المال والحلي والخلع لتوزيعها على أكابر البربر الذين يمكن استمالتهم إلى جانب الخلافة. وأصدر الحكم في نفس الوقت مرسومه بتعيين ابن أبي عامر

قاضياً لقضاة العدوة، إلى ما يتقلده من خطتى الشرطة الوسطى والعليا والمواريث وقضاء إشبيلية.

ووصلت إلى غالب من الأندلس بعد ذلك أمداد جديدة، بقيادة الوزير يحيى بن محمد التجيبى وإخوته، يوسف ومحمد وهاشم وهذيل، ومعه جملة من المال (المحرم سنة 363هـ/973م) ونزل يحيى وجنده بطنجة، وانضموا إلى قوات القائد الأعلى غالب. وشدد غالب الحصار على الحسن، وقطع سائر علائقه وموارده، وبث قواته في سائر الأنحاء لمطاردة الأدارسة، واستئصال شأفتهم.

ونشبت بين جند الحكم وبينهم معارك عديدة، قتل فيها الكثير منهم. وفى صفر سنة 363هـ استولى غالب على مدينة البصرة، وسلمها إليه أهلها، بعد أن قتلوا نائبها الحسنى. وفى تلك الأثناء، كان الحسن قد أجهده الحصار، وأشرف على الهلاك، ومن معه من أهله ورجاله، فاضطر في النهاية إلى طلب الأمان والتسليم، وأعلن طاعته للحكم، وكان ذلك في جمادى الآخرة سنة 363هـ/973م، ودخل غالب قلعة حجر النسر، ودعى في مسجدها للحكم.

ووصلت هذه الأنباء السارة إلى الحكم، وأعلنها الحكم في جامع قرطبة، بعد ذلك بأيام قلائل. وتتبع غالب سائر من بقى من الأدارسة ببلاد الريف حتى استأصل شأفتهم، وقضى على دولتهم. وسار إلى مدينة فاس ودخلها، وعين لها حاكماً من قبله، وتم بذلك إخضاع المغرب للدولة الأموية. وكان قد وصل من العدوة قبل هزيمة الحسن، عدد كبير من القبائل والبطون البربرية الخارجة عليه، الجانحة إلى طاعة الحكم.

وكان بين هؤلاء عدد كبير من فرسان قبائل كتامة يبلغون زهاء ثلاثة آلاف وخمسمائة فارس، ورئيسهم أبو العيش بن أيوب، وقد عقد له الحكم على قومه، وأصدر له بذلك سجلا من إنشاء صاحب المواريث جعفر بن عثمان، يبين فيه واجباته وسلطاته ولا سيما في شؤون الجباية، وأصدر الحكم سجلات مماثلة لزعماء القبائل والبطون البربرية الأخرى.

وفى أواخر ذي الحجة سنة 363هـ/973م، عبر القائد الأعلى غالب البحر إلى الجزيرة الخضراء، تاركاً شئون العدوة للقائد يحيى بن محمد بن هاشم التجيبى؛ تحقيقاً لرغبة الحكم، وكان في ركب القائد الأعلى المظفر، الحسن بن كنون وسائر أهله وشيعته من زعماء الأدارسة ومعهم الأهل والولد.

أشرف غالب في ركبه الحافل على قرطبة في أوائل المحرم سنة 364هـ/975م، وأنزل الأشراف الحسنيون المرافقون له في الدور التي أعدت لهم بقرطبة وأرباضها. وخرج الجند من مدينة الزهراء في صبيحة يوم الخميس الخامس من محرم لتلقى القائد المظفر، والمسير بين يديه، وعلى رأسهم عدة من الفتيان ورؤساء الخدمة، ودخل غالب قرطبة في عسكره، وفي ركبه الأشراف الأدارسة.

ودخل غالب في موكبه الفخم مدينة الزهراء ونفذ إلى القصر، وأنزل الأدارسة الذين معه في المجالس القبلية بدار الجند. وكان الخليفة الحكم قد جلس لاستقباله في المجلس الشرقي المشرف على الرياض، وقد حف به الإخوة، وجلس من بعدهم الوزراء والحجاب وأصحاب الشرطة والمدينة والقضاة وسائر أهل الخدمة، كل في مكانه المعهود. واستقبل الخليفة زعماء الأدارسة، وشيخهم حنون بن أحمد بن عيسى، وشكر طاعتهم، وعفا عن الحسن، ووعدهم بالإحسان، وأجزل لهم الأرزاق والصلات. وعين من حاشيتهم في ديوانه، سبعمائة من أنجادهم. واستمر الحسن وذووه على ذلك زهاء عامين.

وتواصلت انتصارات القائد غالب الناصري فحقق نصرا مؤزرا على قوى النصارى كان منها انتصاره في موقعة حصن غرماج (Gormaz)؛ ففى أوائل شعبان سنة 364هـ/ ابريل 975م، هاجم جيش مشترك من الجلالقة والقشتاليين والبشكنس، حصن غرماج الواقع على نهر دويرة على مقربة من مدينة سالم، ونشب وبينه وبين حاميته الإسلامية قتال عنيف. وشجع النصارى على انتهاك.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من بوابة الأهرام

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بوابة الأهرام

منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 49 دقيقة
منذ 4 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 18 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 11 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 7 ساعات
جريدة الشروق منذ 5 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 10 ساعات
موقع صدى البلد منذ 12 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 5 ساعات
جريدة الشروق منذ 5 ساعات