نحن غارقون فى تفاصيل الحياة اليومية، لا ندخر ولا نملك ما ندخره، ولا ننتج ما نستهلكه، ولا نستهلك ما نحتاجه. نحن غارقون فى مخاوف ارتفاع سعر صرف الدولار، وارتفاع أسعار المحروقات، وارتفاع تكلفة المعيشة على «المحروقين» بنار الأسعار. نحن لاهثون خلف مؤسسات التمويل من أجل القروض التى يُستنزف معظمها فى سداد ديون قديمة قائمة، ونرفع الضرائب على الفقراء من أجل سداد فوائد الدين، ونلغى الدعم أو نحوّله من أجل تخفيض ما يُخصص للفقراء من موازنة يلتهمها الدائنون، ونرفع الفائدة الحقيقية إلى مستويات تعجز الصناعة والتجارة عن احتمالها من أجل جذب أموال ساخنة تصعب الحياة بدونها. نحن نفعل كل ذلك مجبرين، نرزح تحت وطأة الظرف الراهن، تكبلنا أمراض اقتصادية وسكانية هيكلية، وتحيط بنا تقلبات مزعجة من صنع القوى الدولية والإقليمية.
*
هل نفكر حقًا كيف سيكون مستقبل خريجى الجامعات خلال هذه الأيام؟ هل نفكر فى فرص العمل مع تعطل الأنشطة الإنتاجية لصالح بعض مجالات الاكتناز والمضاربة؟ هل نفكر فى عدد الراغبين والقادرين على الهجرة ممن يفرغون المجتمع من عقول نابهة أنفقت عليها الأسر والدولة سنوات طويلة من التعليم والتدريب؟ هل نفكر فى المقابل الحقيقى لارتفاع حصيلة تحويلات العاملين فى الخارج؟ بعيدًا عن الارتفاعات المؤقتة التى تفرضها ظروف استثنائية أو مخاوف عابرة، هل نسأل أنفسنا: كم هى تكلفة الفرصة البديلة؟ كم تساوى إنتاجية هؤلاء لو وجدوا فى الداخل بيئة اقتصادية جاذبة للعمل والإبداع والاستثمار؟
هل نفكر فى شكل المدن المصرية بعد ربع قرن؟ فى نوعية التعليم الذى يتلقاه أبناؤنا اليوم؟ فى فرص التوسع الحضارى والبناء؟ فى قدرة المواطنين على الحصول على مسكن لائق؟ فى المهن التى ستختفى وتلك التى ستولد؟ فى حجم المياه المتاحة للفرد؟ فى نصيب المواطن من الطاقة؟ فى قدرة الاقتصاد على خلق قيمة مضافة حقيقية بدلًا من تدوير الثروة القائمة وإعادة توزيعها بين الفئات والأنشطة؟
إن الأمم لا تلج المستقبل فجأة، ولا تستيقظ ذات صباح لتجد نفسها متقدمة أو متخلفة. المستقبل يُصنع بقرارات الحاضر، لكنه يُهدم أيضًا بالانشغال الكامل بالحاضر. والمشكلة التى تواجه مصر اليوم ليست فقط شح الموارد أو تضخم الالتزامات، بل هى هيمنة التفكير قصير الأجل على المجالين العام والخاص معًا. فالحكومة مشغولة بأزمة التمويل التالية، والمستثمر مشغول بالنجاة من تقلبات السوق، والأسرة مشغولة بتدبير احتياجات الشهر المقبل، والشباب مشغولون بالبحث عن فرصة سفر أو وظيفة أو مصدر دخل إضافى.
*
فى مثل هذه الأجواء يصبح الحديث عن مصر 2050 أقرب إلى المزاح منه إلى أولوية سياسية أو مجتمعية، بينما الحقيقة أن الدول التى لا تفكر فى عام 2050 ستفاجأ به قبل أن تستعد له. وسوف تكتشف عندئذٍ أن الفجوة بينها وبين العالم لم تكن فجوة موارد بقدر ما كانت فجوة استعداد.
ولعل أخطر ما فى الأمر أن العالم لا ينتظر أحدًا. فالطور الحالى من الثورة الصناعية يمضى بسرعة غير مسبوقة، والذكاء الاصطناعى يعيد تشكيل أسواق العمل، وسلاسل القيمة العالمية يُعاد رسمها بانتظام، وموازين القوى الاقتصادية تتغير. بينما ما زلنا نخوض كثيرًا من نقاشاتنا العامة وكأن الزمن قد توقف عند مشكلات الأمس. ليس المطلوب أن نتجاهل أزماتنا الراهنة، فذلك ضرب من العبث. لكن المطلوب ألا تتحول هذه الأزمات إلى سجن فكرى يحرمنا من النظر إلى ما بعدها. فإدارة الحاضر ضرورة، أما صناعة المستقبل فهى الخيار الوحيد لضمان ألا نظل ندير الأزمة نفسها بأسماء مختلفة كل بضع سنوات. ولعل المأزق الأكبر أن عمر النهضة المصرية الحديثة لا يُقاس بالسنوات التى انقضت منذ تولى محمد على الحكم عام 1805، بل بحجم التراكم الحقيقى الذى أُنجز خلالها. فإذا كانت سنوات حكم محمد على الأربعين قد شهدت مشروعًا متكاملًا لبناء الدولة الحديثة، فإن ما تحقق بعدها لا يبدو ــ فى كثير من جوانبه ــ وكأنه حصيلة مائتين وعشرين عامًا من التراكم التنموى المتصل، بل أقرب إلى أربعين.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جريدة الشروق
