يتعرض الجنيه المصري لموجة ضغوط متصاعدة منذ مطلع العام، مع تزايد الأعباء الناجمة عن ارتفاع فاتورة واردات الطاقة واتساع احتياجات البلاد من النقد الأجنبي، بالتزامن مع دورة تيسير نقدي خفضت جاذبية الأصول المقومة بالجنيه، ودفعت بعض المستثمرين الأجانب إلى تقليص انكشافهم على أدوات الدين الحكومية.
وبحسب تقرير نشره موقع AGBI، فإن مسار العملة المصرية بات أكثر ارتباطاً بتقلبات أسواق الطاقة والتطورات الجيوسياسية في المنطقة، في وقت تواجه فيه القاهرة تحدياً متزايداً للحفاظ على توازن حساباتها الخارجية.
فارتفاع أسعار النفط والغاز يفاقم الضغوط على الحساب الجاري ويرفع الطلب على الدولار، بينما يفرض تراجع تدفقات المحافظ الاستثمارية أعباء إضافية على مصادر التمويل الخارجي اللازمة لدعم استقرار سوق الصرف.
الدولار يستقر مقابل الجنيه المصري خلال عطلة البنوك الأسبوعية
كيف أثرت فاتورة الطاقة على فجوة التمويل الخارجي في مصر؟
أرجع نمرود ميفوراخ، استراتيجي الأسواق الناشئة في بنك «يو بي إس» (UBS)، جانباً مهماً من الضغوط التي يتعرض لها الجنيه إلى الزيادة الحادة في تكلفة واردات الطاقة، موضحاً أن ارتفاع أسعار النفط والغاز أدى إلى تدهور مركز الحساب الجاري المصري نتيجة تضخم المدفوعات الدولارية اللازمة لتأمين احتياجات البلاد من الوقود.
وأضاف أن اتساع عجز الحساب الجاري يفرض على الاقتصاد المصري جذب تدفقات أكبر عبر الحساب المالي لتغطية فجوة التمويل الخارجي والحفاظ على توازن ميزان المدفوعات، وهو ما يزيد حساسية العملة المحلية تجاه تحركات رؤوس الأموال الأجنبية.
وتبرز حدة هذه الضغوط في تضاعف فاتورة الطاقة الشهرية إلى 2.5 مليار دولار خلال مارس، مقارنة مع 1.2 مليار دولار فقط في السابق، وفق تصريحات رئيس الوزراء المصري.
مسار سعر صرف الجنيه المصري والدولار بعد ذروة فبراير
كان الجنيه قد سجل في منتصف فبراير أقوى مستوياته منذ خفض قيمته في مارس 2024 عندما استقر عند نحو 47 جنيهاً للدولار، مستفيداً من تحسن تدفقات النقد الأجنبي وعودة المستثمرين إلى سوق الدين المحلي.
إلا أن هذه المكاسب بدأت بالتآكل تدريجياً خلال الأشهر التالية، مع ارتفاع الدولار بنحو 11% أمام العملة المصرية ليصل إلى نحو 52 جنيهاً، بعدما لامس مستوى قياسياً تجاوز 55 جنيهاً في أوائل أبريل، في انعكاس مباشر لتزايد الضغوط الخارجية وتراجع شهية المستثمرين تجاه الأصول المحلية.
أوراق نقدية من الجنيه المصري موضوعة على طاولة في 6 مارس 2024 في القاهرة
سياسة المركزي المصري ومرونة سعر الصرف لحماية الاحتياطي
رغم الضغوط التي تعرض لها الجنيه خلال الأشهر الأخيرة، تجنب «البنك المركزي المصري» التدخل المباشر عبر استخدام احتياطياته الأجنبية للدفاع عن العملة، في خطوة تعكس تحولاً نحو منح سعر الصرف مساحة أكبر للتكيف مع المتغيرات الخارجية بدلاً من استنزاف الأصول الاحتياطية.
وأشار ميفوراخ إلى أن بعض الدعم غير المباشر ربما جاء عبر القطاع المصرفي، حيث تراجع صافي المركز الأجنبي للبنوك التجارية بنحو 6 مليارات دولار خلال مارس، ما يعكس استخدام جزء من السيولة الدولارية المتاحة لتلبية الطلب داخل السوق.
ويرى أن السلطات النقدية فضلت الحفاظ على المكاسب التي حققتها في إعادة بناء الاحتياطيات الأجنبية خلال العامين الماضيين، بدلاً من توجيهها للدفاع عن مستويات محددة لسعر الصرف، وهو نهج ينسجم مع سياسة أكثر مرونة تهدف إلى تعزيز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية.
أثر خفض أسعار الفائدة والتضخم على جاذبية الأصول المصرية
تزامن تراجع العملة مع قرار «البنك المركزي المصري» خفض سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 100 نقطة أساس في منتصف فبراير ليصل إلى 19%، وهو أدنى مستوى منذ ثلاث سنوات، في إطار مساعي دعم النشاط الاقتصادي وتخفيف تكلفة الاقتراض.
غير أن هذا القرار جاء في وقت لا تزال فيه الضغوط التضخمية حاضرة في الاقتصاد المصري. فبعد أن تراجع معدل التضخم السنوي من 38% في سبتمبر 2023 إلى 12% في سبتمبر 2025، عاد للارتفاع مسجلاً 15% خلال مارس، قبل أن يتراجع هامشياً إلى 14.7% في أبريل.
وبحسب ميفوراخ، فإن الجمع بين انخفاض أسعار الفائدة وعودة التضخم إلى الارتفاع أدى إلى تآكل العائد الحقيقي على الأدوات المالية المقومة بالجنيه، ما دفع شريحة من المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم في أذون الخزانة والسندات الحكومية المصرية.
التحول إلى الدعم النقدي في مصر.. خطوة إصلاحية أم عبء على المواطنين؟
تراجع الاستثمارات الأجنبية وأثر خروج الأموال الساخنة على سوق الصرف
على الرغم من استمرار ارتفاع حيازات المستثمرين الأجانب من أدوات الدين الحكومية من حيث القيمة المطلقة، فإن حضورهم داخل السوق المحلية تراجع من حيث الوزن النسبي، وهو ما يؤكد تباطؤ وتيرة التدفقات الجديدة مقارنة بالنمو السريع في حجم الإصدارات الحكومية.
وتظهر البيانات أن المستثمرين الأجانب كانوا يمتلكون نحو 50% من إجمالي أذون الخزانة القائمة البالغة قيمتها 3.6 تريليون جنيه خلال عام 2024، بينما انخفضت حصتهم إلى 43% من سوق بلغت قيمته 5.9 تريليون جنيه في يناير 2026.
من جانبه، اعتبر وائل زيادة، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «زيلا كابيتال» (Zilla Capital)، أن عمليات التخارج من أذون الخزانة الحكومية مثلت المحرك الرئيسي وراء ضعف الجنيه خلال الأشهر الأخيرة.
وأوضح أن «البنك المركزي» تعامل مع هذه التدفقات الخارجة عبر السماح للعملة بالتكيف مع أوضاع السوق بدلاً من استنزاف الاحتياطيات الأجنبية في الدفاع عنها، وهو ما ساهم في امتصاص جزء من الصدمة الخارجية دون الإضرار بمستويات السيولة الدولارية الرسمية.
وأضاف أن الجنيه بدأ يُظهر مؤشرات على الاستقرار بعد موجة التراجع الأخيرة، مرجحاً تحسن أدائه إذا هدأت التوترات الجيوسياسية وعادت أسواق الطاقة إلى مستويات أكثر استقراراً.
مصر تقيد 10 شركات بترول بالبورصة خلال 45 يوماً بينها «إنبي» و«بتروجيت»
توقعات أسعار النفط والتطورات الجيوسياسية ومستقبل الجنيه
تبقى آفاق الجنيه المصري مرتبطة بدرجة كبيرة بمسار أسواق الطاقة العالمية والتطورات الجيوسياسية في منطقة الخليج، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه واردات الطاقة في معادلة النقد الأجنبي المصرية.
ويرى ميفوراخ أن التوصل إلى اتفاق دائم بين الولايات المتحدة وإيران وإعادة فتح «مضيق هرمز» بشكل كامل من شأنه تخفيف الضغوط على أسواق النفط العالمية ودفع الأسعار نحو مستويات منخفضة من نطاق الثمانين دولاراً للبرميل.
وفي هذا السيناريو، قد يستفيد الجنيه من تحسن الحساب الجاري وتراجع فاتورة الواردات النفطية، بما يسمح له بالتحرك نحو مستويات أوائل الخمسينيات مقابل الدولار، وإن كان من المستبعد عودته سريعاً إلى مستوى 47 جنيهاً الذي سجله في فبراير.
أما في حال استمرار التوترات أو تعطل حركة الملاحة عبر المضيق، فقد تواجه مصر ضغوطاً إضافية نتيجة ارتفاع أسعار النفط، وهو ما قد يدفع الدولار للعودة إلى مستوياته القياسية السابقة القريبة من 55 جنيهاً.
ويحذر ميفوراخ من أن أي أزمة ممتدة قد ترفع أسعار النفط بما يتراوح بين 30 و40 دولاراً للبرميل، الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة كبيرة في فاتورة الطاقة المصرية واتساع فجوة التمويل الخارجي، بما يضاعف الضغوط على العملة المحلية.
دور تحويلات المصريين في الخارج كخط دفاع لدعم العملة
في موازاة تدفقات الاستثمار الأجنبي وأدوات الدين الحكومية، تبقى تحويلات المصريين العاملين في الخارج أحد أهم مصادر النقد الأجنبي الداعمة لاستقرار ميزان المدفوعات.
وحذر ميفوراخ من أن توقعات استمرار ضعف الجنيه قد تدفع بعض المغتربين إلى تأجيل تحويل مدخراتهم ترقباً لتحسن أسعار الصرف، وهو ما قد يؤدي إلى إبطاء تدفقات العملات الأجنبية في فترة يحتاج فيها الاقتصاد إلى مصادر تمويل مستقرة ومستدامة.
وأكد أن التحويلات تمثل ركيزة أساسية في تمويل الحساب الجاري ودعم السيولة الدولارية داخل الاقتصاد المصري، ما يجعل الحفاظ على تدفقها عاملاً حاسماً في استقرار سوق الصرف خلال المرحلة المقبلة.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

