تُظهر بيانات التجارة الصينية في مايو استمرار تفوق قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في دعم ثاني أكبر اقتصاد بالعالم، في وقت يظل فيه الطلب المحلي ضعيفاً؛ ما يعزز صورة نمو غير متوازن ويعيد فتح النقاش حول استدامة التعافي في بكين.
وسجلت الصادرات الصينية أداءً فاق التوقعات بدعم من الطلب القوي على المنتجات المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة، بينما ارتفعت الشحنات إلى الولايات المتحدة بأسرع وتيرة في نحو خمسة أعوام، بإشارة إلى استمرار قوة التدفقات التجارية رغم الضغوط الجيوسياسية وعدم اليقين في الاقتصاد العالمي.
وفي المقابل، تكشف بيانات الواردات عن نشاط قوي في مدخلات الإنتاج الصناعي، أكثر من كونها انعكاساً لانتعاش حقيقي في الاستهلاك المحلي؛ ما يعكس اختلالاً واضحاً في هيكل النمو بين الخارج والداخل.
الأسهم العالمية بين التصحيح والتصعيد.. هل تعيد الأسواق تسعير المخاطر؟
الشحنات إلى أميركا
حافظ النمو التجاري الصيني على مستواه بشكل أفضل من المتوقع في شهر مايو، حيث ساعدت الصادرات المتزايدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي على حماية الاقتصاد من الاضطرابات الناجمة عن الحرب الإيرانية، إذ سجلت الشحنات المتجهة إلى الولايات المتحدة أقوى قفزة في خمس سنوات.
أظهرت بيانات الجمارك الصادرة اليوم، ارتفاع إجمالي الصادرات 19.4% مقارنة بالعام الماضي من حيث القيمة بالدولار الأميركي، متسارعاً من 14.1% المسجلة في أبريل، ومتجاوزاً التوقعات البالغة 15%.
ارتفعت الشحنات إلى الولايات المتحدة 35.4% تقريباً في مايو مقارنة بالعام السابق، وهو أعلى معدل نمو منذ مارس 2021، وفقاً لشركة «ويند إنفورميشن».
يعكس هذا الأداء تحولاً في هيكل الصادرات الصينية نحو المنتجات التكنولوجية المتقدمة، أكثر من كونه تعافياً واسع النطاق في الطلب العالمي.
كتب خبراء «ويند إنفورميشن»: «تمدد البيانات الأخيرة الانتعاش بعد سلسلة طويلة من الانخفاضات المكونة من رقمين خلال معظم العام الماضي، تحت ضغط التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب».
وقالت كبيرة الاقتصاديين في مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس» شيانا يو: «الحرب تعزز الطلب على الصادرات الخضراء، مثل: السيارات الكهربائية والبطاريات ومنتجات الطاقة الشمسية والسلع التكنولوجية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي».
أونصة الذهب بين نارين.. هل تكسرها بيانات التضخم؟
استمرار الزخم
استمر زخم نمو الواردات في التزايد، مسجلاً نمواً بـ27.4% في مايو، متجاوزاً 25.3% المسجل في أبريل، وأعلى من توقعات الاقتصاديين البالغة 25%؛ ما أسهم برفع الفائض التجاري إلى 105.4 مليار دولار في مايو.
ورغم قوة أرقام الواردات، فإن تركّزها في مدخلات صناعية محددة يحد من الإشارة إلى انتعاش استهلاكي حقيقي داخل الاقتصاد.
وفي الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام، تسارع نمو الواردات الصينية بشكل حاد، إذ ارتفع 24.5% مقارنة بالعام السابق، متجاوزاً نمو الصادرات البالغ 15.5% خلال الفترة نفسها؛ ما أدى إلى تضييق الفائض التجاري مقارنة بالعام السابق.
ارتفع إجمالي صادرات الدوائر المتكاملة 32% إلى 39.7 مليار وحدة مقارنة بالعام الماضي، فيما سجلت صادرات التكنولوجيا المتقدمة من حيث القيمة ارتفاعاً بـ50% في مايو، بينما قفزت الواردات 47%.
بين الحرب والبيانات.. الدولار يختبر قمة شهرين وينتظر وارش
مؤشرات على التباطؤ
أظهر الاقتصاد الصيني مؤشرات على التباطؤ بعد أداء قوي في الربع الأول من العام.
ووفقاً لخبراء الاقتصاد في بنك «أوف أميركا» للأبحاث العالمية، فإن الارتفاع الكبير في الواردات كان مدفوعاً إلى حد كبير بارتفاع تكاليف المدخلات، وتركز بشكل ضيق في فئات مختارة، ولا سيما رقائق أشباه الموصلات والذهب، وبالكاد ظهرت علامة على إعادة التوازن.
وأضاف الاقتصاديون في «بنك أوف أميركا»: «مع ضعف الطلب الإجمالي واستمرار الإحلال المحلي، لا تزال إعادة التوازن التجاري الحقيقي بعيدة المنال».
كما أشاروا إلى أن ازدهار الصادرات قد قلل من إلحاح بكين على تقديم حوافز سياسية ذات مغزى.
أوراق نقدية من فئة اليوان الصيني في مدينة فويانغ، مقاطعة آنهوي، الصين، يوم 27 فبراير 2026.
نجاح مؤقت
نجح المصدرون الصينيون حتى الآن في تجاوز تداعيات الصراع في الشرق الأوسط، حيث سارع المشترون الأجانب إلى تأمين الإمدادات قبل ارتفاع أسعار الطاقة، بحسب محللي «سيتي بنك».
وحذر الاقتصاديون في «سيتي بنك» من أن هذا الزخم الإيجابي قد يكون قصيراً، إذ إن تلاشي زخم التخزين الخارجي قد يكشف ضعف الاستهلاك المحلي وعدم قدرته على سد الفجوة.
وقال كبير الاقتصاديين الصينيين في «سيتي بنك» شيانغ رونغ يو: «نتوقع أن يدعم ازدهار الذكاء الاصطناعي الإنتاج والتجارة، حيث إن ارتفاع أسعار السلع التقنية وأشباه الموصلات يعزز النمو الإجمالي».
وأضاف يو: «قد يُظهر الطلب المحلي استمراراً في الضعف، ونتوقع أن ينخفض نمو مبيعات التجزئة، وهو مقياس للاستهلاك، إلى الصفر في مايو بسبب تلاشي تأثير إعانات الاستبدال؛ ما سيؤدي إلى مزيد من التباطؤ من أدنى مستوى له في ثلاث سنوات والذي بلغ 0.2% في أبريل».
النفط بين هدنة هشة وانفجار محتمل.. ماذا يسعر السوق الآن؟
يفاقم المشكلة
فاقم ضعف سوق العمل المستمر الضغط على الإنفاق الاستهلاكي، إذ قال كبير الاقتصاديين الآسيويين في بنك «إتش إس بي سي» فريدريك نيومان: «رغم ارتفاع الصادرات، فإن عدد وظائف التصنيع لا يزال في انخفاض، حيث إن مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الأتمتة تقلل الطلب على العمال».
وأضاف نيومان في مذكرة: «أدى استمرار قوة اليوان الصيني هذا العام إلى بعض الضغوط على مصدري البلاد، الذين جمعوا حيازات كبيرة من الدولار على مر السنين، حيث بدأت الخسائر المتزايدة في صرف العملات الأجنبية تؤثر سلباً في الأرباح».
قيمة اليوان
وقال رئيس وكبير الاقتصاديين لدى «بينبوينت لإدارة الأصول» تشيوي تشانغ: «حققت الصين نمواً قوياً في الصادرات رغم عدم اليقين الاقتصادي العالمي وارتفاع قيمة اليوان (الرنمينبي) هذا العام».
وأضاف تشانغ في مذكرة للعملاء: «النمو القوي في الصادرات قد يعزز ميل صناع السياسات إلى تأجيل التحفيز المهم حتى يوليو».
ارتفع اليوان الصيني في السوق الخارجية بنسبة 2.8% هذا العام ليصل إلى 6.7802 مقابل الدولار الأميركي، بينما ارتفع في السوق المحلية بنسبة 3% ليصل إلى 6.7787، وفقاً لبيانات بورصة لندن.
ولم تشهد العملتان تغيراً يُذكر بعد صدور بيانات التداول يوم الثلاثاء، في حين ارتفع مؤشر الأسهم الرئيسي في الصين، وصعد «مؤشر CSI 300» بنسبة 0.6%.
«هرمز» بين عناد واشنطن وطهران..ما قصة صفقة السلام المحتمل؟
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

