يمثل إعلان تصفير مستحقات الشركاء الأجانب في قطاع البترول والغاز محطة مهمة في مسار قطاع الطاقة المصري، في ظل توجه حكومي يستهدف تعزيز الثقة مع المستثمرين الدوليين وتهيئة بيئة أكثر جذباً للاستثمارات المباشرة، بما يدعم خطط زيادة الإنتاج والبحث والاستكشاف.
وأكدت أستاذ الاقتصاد والطاقة في مصر، وفاء علي، «أن المشهد الطاقوي المصري الحالي يقدم دلالة واضحة على قدرة مصر على كسب معركة الاستثمارات المباشرة وسداد مستحقات الشركاء الأجانب».
وأوضحت أن «الأمر لا يتعلق فقط بضخ أموال جديدة، وإنما يمثل إعادة هيكلة فعلية للإجابة عن تساؤلات مرتبطة بما تنتجه الدولة وكيفية الإنتاج ومدى قدرتها على المنافسة العالمية، باعتبار أن الاستثمارات تشكل هوية الاقتصاد من حيث توزيع الموارد ومعدلات النمو والقدرة التنافسية، وتمثل عملية تحول نحو اقتصاد منتج».
مصر توقع نقل حصة 172 محطة وقود «وطنية» إلى«طاقة عربية»
نقطة التوازن في أي معادلة اقتصادية
وأشارت وفاء علي، في تصريحات خاصة لـ«إرم بزنس»، إلى أن الطاقة تمثل نقطة التوازن في أي معادلة اقتصادية، لافتة إلى أن «قطاع البترول والثروة المعدنية يشهد مرحلة حاسمة تتسم بتدفقات استثمارية جديدة من كبرى الشركات العالمية، في ظل توجه يستهدف الوصول إلى صفر مستحقات للشركاء الأجانب بحلول نهاية يونيو من العام الحالي، بما يعزز الشفافية ويحفز جذب المزيد من الاستثمارات».
وأضافت أن «مستحقات الشركاء كانت تقدر خلال عام 2024 بنحو 6.3 مليار دولار، قبل أن يتم خفضها تدريجيا حتى الوصول إلى تصفيرها، وهو ما يمثل دلالة استراتيجية مهمة لتحفيز الشركاء على ضخ رؤوس أموال جديدة لتنمية آبار الغاز القائمة وتعظيم الإنتاج السنوي بنسبة 10%، فضلا عن تشجيعهم على التوسع في اقتناص مناطق امتياز جديدة للبحث عن النفط والغاز».
حفر 480 بئر حتى عام 2030
ولفتت إلى أن «خطط القطاع تتضمن حفر 480 بئراً حتى عام 2030 باستثمارات تصل إلى 5.7 مليار دولار، من بينها 101 بئر خلال العام الحالي»، مشيرة إلى أن «المجلس التنسيقي للسياسات المالية والنقدية برئاسة رئيس الوزراء وضع جدولاً زمنياً لتغطية الالتزامات المالية والاحتياجات الدولارية، ومن بينها مستحقات الشركاء الأجانب».
كما أوضحت أن «رفع كفاءة التدفقات المالية أسهم في دفع عدد كبير من شركات البترول إلى توسيع نطاق أعمال البحث والاستكشاف والحفر التطويري في المياه العميقة، في إطار محاور رئيسية تستهدف خلق بيئة استثمارية جاذبة وتعزيز التعاون الإقليمي لجذب الاستثمارات المباشرة».
خطط استثمارية بـ8 مليارات دولار
وذكرت وفاء علي أن شركات عالمية أعلنت عن خطط استثمارية جديدة، من بينها شركة «إيني» باستثمارات تبلغ 8 مليارات دولار، و«بريتش بتروليوم» بنحو 5 مليارات دولار، و«أباتشي» الأميركية بنحو 4 مليارات دولار، معتبرة أن «هذه التطورات تأتي في سياق توجه حكومي واضح لتعزيز القدرات ورفع كفاءة إدارة الطاقة وتقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، في ظل ارتفاع الطلب المرتبط بالنمو الاقتصادي والمشروعات المختلفة».
وزير البترول المصري متفقداً سفينة الحفر «فولاريس دي إس 12» خلال العمليات بحقل غاز ريفين في البحر المتوسط أمام السواحل المصرية يوم 20 يوليو 2024.
المصدر: وزارة البترول المصرية
وأكدت أن «التوسع في عمليات الحفر والتنقيب يعتمد بصورة كبيرة على التكنولوجيا التي يمتلكها الشركاء الأجانب»، معتبرة أن «تلك الاستثمارات تمثل جسراً تقنياً حقيقياً يدعم المكانة الطاقوية لمصر، ويسهم في توظيف الذكاء الاصطناعي لدعم القرار التشغيلي وتحويل التحديات إلى فرص إنتاجية واقتصادية مستدامة»، مشيرة إلى أن «المرحلة الحالية تمثل بداية جديدة لعمليات البحث والاستكشاف والاستفادة من الدروس السابقة في إدارة ملف الشركاء الأجانب وجذب مزيد من الاستثمارات وزيادة الإنتاج».
قدرة الدولة على الالتزام بتعهداتها
في السياق نفسه، اعتبر علي الإدريسي، الخبير الاقتصادي، أن «تصفير مستحقات الشركاء الأجانب خطوة بالغة الأهمية للاقتصاد المصري، لأنه يعكس قدرة الدولة على الالتزام بتعهداتها المالية واستعادة الثقة مع كبرى الشركات العالمية العاملة في قطاع الطاقة».
وأوضح الإدريسي، في تصريحات خاصة لـ«إرم بزنس»، أن «وجود مستحقات متأخرة لفترات طويلة كان يثير مخاوف المستثمرين بشأن سرعة استرداد أموالهم وعوائد استثماراتهم، بينما يبعث سداد تلك الالتزامات برسالة إيجابية تؤكد أن السوق المصري أصبحت أكثر استقراراً وقدرة على الوفاء بالتزاماتها».
وأضاف أن ه«ذه الخطوة تنعكس بشكل مباشر على ثقة المستثمرين الأجانب، إذ تنظر شركات الطاقة العالمية إلى انتظام السداد باعتباره مؤشراً رئيسياً على جدية الدولة في دعم الاستثمار وحماية الشركاء، وهو ما قد يشجع الشركات القائمة على توسيع أعمالها، ويدفع شركات جديدة للدخول إلى السوق المصري، خاصة في ظل ما تمتلكه مصر من فرص واعدة في مجال الغاز الطبيعي والبحر المتوسط».
ضخ استثمارات جديدة في الحفر والتنقيب
وأشار الإدريسي إلى أن «تسوية المستحقات تمنح الشركات سيولة أكبر لإعادة ضخ استثمارات جديدة في الحفر والتنقيب وتطوير الحقول، بما يساهم في رفع معدلات الإنتاج تدريجياً»، موضحاً أن «العديد من الشركات كانت تؤجل بعض خطط التوسع نتيجة تراكم المستحقات، بينما تصبح البيئة الاستثمارية أكثر تحفيزا بعد تسويتها».
وأكد أن «تصفير المستحقات من شأنه دعم قدرة مصر على جذب استثمارات جديدة إلى قطاع البترول والغاز، في ظل المنافسة بين الأسواق المختلفة على جذب رؤوس الأموال الأجنبية، حيث يقارن المستثمر دائماً بين الأسواق من حيث الاستقرار المالي وسرعة استرداد المستحقات».
زيادة الثقة وتحسين تدفقات الاستثمار الأجنبي
وأضاف الإدريسي أن «المكاسب الاقتصادية تظهر على المدى القريب من خلال زيادة الثقة وتحسين تدفقات الاستثمار الأجنبي ورفع معدلات الإنتاج، بينما تمتد على المدى البعيد إلى تعزيز إيرادات الدولة من التصدير، وتقليل الضغط على العملة الأجنبية، وخلق فرص عمل جديدة، فضلاً عن دعم الصناعات المرتبطة بالطاقة».
وتمثل هذه الخطوة مؤشراً على تحسن قدرة الدولة على إدارة التزاماتها المالية، خاصة إذا جاءت ضمن خطة أوسع لإعادة التوازن المالي وزيادة موارد النقد الأجنبي، وفق الإدريسي، الذي أكد أن انتظام السداد يعزز صورة الاقتصاد المصري أمام المؤسسات الدولية وأسواق التمويل العالمية.
الحكومة المصرية: عائد صفقة «جبل الزيت» يوجه لخفض الدين
وأوضح أن «زيادة ثقة الشركات الأجنبية وتحفيزها على التوسع في الإنتاج يساهمان في رفع الإنتاج المحلي من النفط والغاز، بما يقلل الحاجة إلى الاستيراد ويخفف فاتورة الطاقة، خاصة في ظل تقلبات الأسواق العالمية»، مؤكداً أن «آثار تصفير المستحقات لا تقتصر على قطاع البترول فقط، بل تمتد إلى دعم الاستقرار الاقتصادي وأمن الطاقة في مصر بصورة أشمل».
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

