تقنية تحوّل مزارع الأسماك إلى مصدر طاقة نظيفة لـ340 مليون شخص

في ظل تصاعد الضغوط المالية والبيئية لتحقيق أهداف الحياد الكربوني، تبرز تقنية هجينة تجمع إنتاج الغذاء والطاقة النظيفة في مكان واحد، عبر تركيب الألواح الشمسية فوق مزارع الأسماك والروبيان.

ووفق دراسة علمية نشرتها مجموعة «نيتشر بورتفوليو»، فإن هذا النموذج قادر على توليد كهرباء تكفي لإضاءة منازل 340 مليون شخص حول العالم، وسط تقديرات استثمارية تصفه بأحد أسرع قطاعات الطاقة المتجددة نمواً خلال العقود المقبلة.

الطاقة الشمسية في مصر.. توجه استراتيجي لتقليل التكاليف ودعم التنمية

856 غيغاواط في الأفق.. أرقام تُعيد رسم خريطة الطاقة النظيفة

تُعدّ الدراسة الأولى من نوعها على مستوى عالمي في التقييم الجيومكاني الدقيق لهذا القطاع، إذ حللت آلاف المواقع والمسطحات المائية حول العالم. واعتمدت على افتراض يقضي بتغطية 10% فقط من الأسطح المائية الملائمة، تفادياً للمبالغة في التقديرات.

وتُظهر النتائج إمكانية إنشاء قدرات إنتاجية تصل إلى 856 غيغاواط من الطاقة الشمسية، تستحوذ فيها المسطحات الطينية الساحلية على نحو 57%، فيما تسهم أحواض الاستزراع المائي بالـ43% المتبقية. أما حجم التوليد السنوي المتوقع فيبلغ 1,266 تيراواط/ساعة، وهي طاقة تكفي لتزويد نحو 340 مليون شخص بالتيار الكهربائي وفق متوسط الاستهلاك العالمي.

المبدأ أن تُحوّل المزرعة السمكية نفسها إلى محطة طاقة؛ ألواح شمسية تمتد فوق أحواض الأسماك والروبيان، تلتقط أشعة الشمس وتولّد الكهرباء، بينما تواصل المزرعة إنتاجها المعتاد في المياه أسفلها. مساحة واحدة، مصدران للدخل، وصفر أراضٍ إضافية.

ولا تتوقف المكاسب عند حدود الكهرباء؛ إذ تُقدّر الدراسة أن هذه المشاريع قادرة على خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 580 مليون طن سنوياً، مما يمنحها ثقلاً اقتصادياً إضافياً في سوق سندات الكربون وملفات التمويل الأخضر الدولي.

ليست طاقة فحسب.. المزرعة تربح من كل اتجاه

ما يميّز هذا النموذج عن مشاريع الطاقة الشمسية التقليدية أنه يولّد قيمة مضافة على أكثر من صعيد في آنٍ واحد. فالألواح الشمسية فوق أحواض المياه توفر ظلاً طبيعياً يُقلص درجات حرارة المياه ويحدّ من معدلات التبخر في المناطق الحارة وشبه الجافة، فيما يُخفف التظليل من النمو المفرط للطحالب الضارة، مما ينعكس إيجاباً على إنتاجية الأسماك والروبيان ويرفع جودتها.

والميزة الجوهرية هنا أن النموذج بأكمله يعمل دون الحاجة إلى شبر واحد من الأراضي الجديدة؛ فهو يُنتج الغذاء والطاقة معاً من نفس المساحة المائية القائمة، في وقت تتصاعد فيه تكاليف الأراضي الساحلية وتشتد المنافسة عليها بين مشاريع التوسع الحضري والزراعي التقليدي.

مصر ضمن أفضل 5 دول عالمياً.. وميزة تنافسية نادرة في المنطقة

رغم هيمنة أسواق آسيا بقيادة الصين والهند وإندونيسيا على أكثر من 65% من الإمكانات العالمية نظراً لضخامة قطاع الأحياء المائية لديها، فإن الدراسة وضعت مصر ضمن قائمة الدول الخمس الأكثر جاذبية عالمياً للتوسع السريع في هذا النموذج، إلى جانب الولايات المتحدة.

ويعود هذا التصنيف إلى تضافر ثلاثة عوامل نادراً ما تجتمع في سوق واحد: شدة إشعاع شمسي مرتفعة، وانخفاض ملموس في تكاليف الإنتاج، وريادة إقليمية راسخة في الاستزراع السمكي باعتبار مصر أكبر منتج في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا. وتمنح هذه العوامل مجتمعةً المستثمرين فرصة تحويل المزارع المائية القائمة إلى وحدات إنتاج مزدوجة للغذاء والطاقة دون أي توسع في المساحات.

من الديزل إلى الشمس.. مشاريع تتحرك على الأرض في مصر

بالتوازي مع هذه الطروحات العلمية، شهد عام 2026 تحركات ميدانية ملموسة؛ إذ أطلق المركز الدولي لإدارة الموارد المائية الحية (WorldFish) مشروعاً استراتيجياً لإنشاء مركز الطاقة المتجددة في الاستزراع المائي بمصر، بدعم من الحكومة النرويجية وبالتنسيق مع الجهات الحكومية المعنية بالثروة السمكية.

وتكشف البيانات الميدانية أن غالبية المزارع السمكية المصرية لا تزال تعتمد بشكل مكثف على مضخات الديزل التقليدية، مما يعني أن التحول نحو الأنظمة الشمسية الهجينة يُحقق للمستثمرين والمزارعين وفورات تشغيلية فورية في فواتير الوقود وتكاليف الصيانة الدورية، فضلاً عن دفع القطاع نحو الإنتاج المستدام.

وسط ضغوط الوقود والأسعار.. مصر تدفع بقوة نحو التوسع في الطاقة الشمسية

من 2.9 إلى 34 غيغاواط.. مصر تتسارع نحو 2035

يتقاطع هذا المسار الاستثماري مع الاستراتيجية الطاقوية المصرية الكبرى؛ إذ أكد تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) لعام 2026 أن مصر تضع توسيع حصة الطاقة المتجددة ركيزةً أساسية في استراتيجيتها الاقتصادية والمناخية، مستفيدةً من قدراتها الجغرافية الاستثنائية.

وتُظهر تقديرات شركة الأبحاث (GlobalData) أن مصر تسير في وتيرة متسارعة لرفع قدراتها الكهروضوئية من نحو 2.9 غيغاواط حالياً إلى ما يتجاوز 34 غيغاواط بحلول 2035. وفي هذا السياق، تُشكّل مشاريع دمج الطاقة بالاستزراع السمكي قناةً استثمارية مبتكرة تدعم هذه المستهدفات وتُدمج بذكاء بين أمن الطاقة والأمن الغذائي في آنٍ واحد.

تحديات حقيقية لا يمكن تجاهلها

على الرغم من المؤشرات الواعدة، يُنبّه المحللون إلى تحديات فنية وتخطيطية تستوجب إدارة حذرة. وتتصدر هذه التحديات مخاطر التآكل الناجمة عن ملوحة البيئات الساحلية التي تُهدد الهياكل المعدنية والألواح الشمسية، إلى جانب تكاليف الصيانة الدورية ومتطلبات التخطيط البيئي الدقيق لحماية التنوع البيولوجي وموائل الطيور الساحلية.

بيد أن التقديرات الاقتصادية الإجمالية تضع هذه التقنية عند حدود 4% من القدرات الشمسية المطلوبة عالمياً لتحقيق أهداف الحياد الكربوني بمنتصف القرن الحالي. وهي نسبة تبدو متواضعة على الورق، لكنها تُترجم في الواقع إلى عشرات المليارات من الدولارات في فرص الاستثمار الأخضر.

وفي المحصلة، فإن من يدخل هذا السوق مبكراً في مصر والمنطقة العربية لا يراهن على الطاقة النظيفة وحدها، بل على ثلاثة مصادر دخل في آنٍ واحد: عائدات الكهرباء، والإنتاج السمكي، وسوق الكربون، مما يجعل هذا القطاع الناشئ منصةً إقليمية واعدة للاستثمارات الخضراء الهجينة.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 39 دقيقة
منذ 19 دقيقة
منذ 3 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 10 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 8 ساعات
قناة CNBC عربية منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ 22 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 18 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 15 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 15 ساعة
فوربس الشرق الأوسط منذ 11 ساعة
قناة CNBC عربية منذ ساعتين