لا يهدف هذا المقال إلى الانتقاص من رؤية التحديث الاقتصادي أو التقليل من أي جهد إصلاحي بُذل خلال السنوات الماضية، فكل محاولة للتحديث الاقتصادي تستحق التقدير من حيث المبدأ. لكن الاقتصاد علم يُقاس بالأرقام المتحققة لا بالنوايا، وبالفجوات بين المستهدف والمنجز لا بجمال السيناريوهات المستقبلية. ومن هنا تأتي هذه القراءة بوصفها محاولة لفهم أين نقف فعليًا، لا أين نرغب أن نكون بعد عقد من الزمن.
أطلقت رؤية التحديث الاقتصادي إطارًا طموحًا يمتد حتى عام 2033، تضمن أهدافًا مركزية أبرزها: رفع متوسط النمو الاقتصادي إلى نحو 5.6% سنويًا، وزيادة الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي من قرابة 30 مليار دينار إلى أكثر من 58 مليار دينار، واستحداث حوالي مليون فرصة عمل جديدة، واستقطاب استثمارات تتجاوز 41 مليار دينار. هذه الأرقام تمثل، من منظور نظري، ما تسميه أدبيات التنمية بـ النمو التحويلي ، أي الانتقال من اقتصاد محدود النمو إلى اقتصاد ديناميكي قادر على خلق الوظائف والثروة.
لكن الإشكالية ليست في الطموح، بل في المسار الفعلي الذي يسلكه الاقتصاد. فوفق بيانات الموازنة العامة والتقديرات الرسمية، لا يزال معدل النمو المتوقع لعام 2026 في حدود 2.7%، مع توقعات تدور حول 3% في السنوات التالية. أي أن الاقتصاد يسير عمليًا عند نحو نصف معدل النمو المطلوب لتحقيق مستهدفات الرؤية، وهو ما يعكس فجوة تراكمية بين النمو المستهدف والنمو المتحقق.
هذه الفجوة ليست رقمًا عابرًا، بل لها تفسير في النظرية الاقتصادية. فوفق نموذج النمو الكلاسيكي الحديث (Solow Model)، لا يمكن تحقيق قفزة مستدامة في النمو دون تراكم رأس المال المادي والبشري وارتفاع الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج (TFP). وعندما تبقى الإنتاجية منخفضة، فإن أي أهداف نمو مرتفعة تصبح أقرب إلى "مسار معياري لا يعكس الواقع الفعلي للاقتصاد.
على صعيد المالية العامة، تشير بيانات موازنة 2026 إلى استمرار العجز عند حوالي 2.1 مليار دينار، أي ما يعادل نحو 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي. ورغم جهود الضبط المالي، فإن استمرار العجز بهذه النسب يعني أن الاقتصاد ما يزال يعتمد جزئيًا على التمويل بالدين، في وقت تجاوز فيه الدين العام مستويات تقارب 118% من الناتج المحلي الإجمالي وفق التقديرات الرسمية الأخيرة. هذه المعادلة تحد من القدرة على توجيه الإنفاق نحو الاستثمار التنموي والانفاق على الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية بدل خدمة الدين.
أما في سوق العمل، فإن الفجوة أكثر وضوحًا. فالرؤية تستهدف خلق مليون فرصة عمل حتى عام 2033، أي ما يعادل في المتوسط نحو 90 ألف وظيفة سنويًا. في المقابل، تشير البيانات الرسمية إلى أن معدل البطالة بين الاردنيين ما يزال في حدود 21% تقريبًا، ويرتفع بشكل أكبر بين الشباب. وفق نظرية سوق العمل الكينزية، فإن استمرار البطالة المرتفعة يعكس خللًا في الطلب الكلي، ما يعني أن النمو الحالي غير كافٍ لتوليد فرص عمل تتناسب مع حجم الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
هذا يقود إلى جوهر المشكلة التي أشار إليها جون ماينارد كينز حين قال إن "الاقتصاد في المدى الطويل قد يكون مستقراً، لكننا جميعًا قد نكون قد فقدنا قدرتنا على العيش قبل أن نصل إليه . أي أن التركيز على أهداف بعيدة دون معالجة اختلالات الحاضر يفقد السياسات الاقتصادية فعاليتها الاجتماعية.
أما على.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
