حين تموت التسوية ويبدأ البحث عن بدائل لفلسطين من الكونوفيدرالية إلى مراجعة الشرعية

كتب - المهندس فراس الصمادي هل ما تزال الدولة الفلسطينية هدفاً سياسياً قابلاً للتحقق، أم أن بعض القوى الدولية بدأت تبحث بهدوء عن بدائل لها؟ هل تمثل مشاريع الكونفدرالية والترتيبات الإقليمية محاولة لحل القضية الفلسطينية، أم محاولة لإدارة نتائج تعثر حلها؟ إذا كانت الشرعية الدولية التي استندت إليها إسرائيل ارتبطت تاريخياً بالتزامات محددة، فما الذي بقي من تلك الالتزامات بعد أكثر من سبعة عقود؟ إذا كان الاعتراف العربي والفلسطيني بإسرائيل جزءاً من مسار يفترض أن يقود إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، فهل يبقى هذا الاعتراف بمنأى عن مراجعة نتائج ذلك المسار؟ كلما اقتربت إسرائيل من تصفية شروط قيام الدولة الفلسطينية، بدأت بعض الدوائر الدولية بالبحث عن بدائل للقضية الفلسطينية بدلاً من البحث عن حلول لفلسطين. قد تبدو هذه العبارة قاسية للوهلة الأولى، لكنها المفتاح الأدق لقراءة التصريح الروسي الصادر في 8 حزيران 2026. فقد أعلنت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أن موسكو رصدت دفعاً من مراكز فكر ممولة غربياً نحو صيغ بديلة لمستقبل فلسطين، في طليعتها إحياء فكرة ربط الأراضي الفلسطينية بالدول العربية المجاورة، واصفة هذه الطروحات بأنها امتداد لنزعة استعمارية جديدة أثبتت التجربة عقمها وتعارضها مع الأساس القانوني الدولي للتسوية. خلف التصريح الروسي تحول أعمق أخذ يتسلل بهدوء إلى النقاش الدولي حول مستقبل القضية بأكملها. طوال العقود الثلاثة التي أعقبت مؤتمر مدريد عام 1991 واتفاق أوسلو عام 1993، ظل السؤال المركزي واحداً: كيف نصل إلى الدولة الفلسطينية؟ تعثرت المفاوضات وتبدلت الحكومات وتغير الوسطاء، لكن الفرضية الأساسية صمدت: هناك عملية سياسية متعثرة، غير أنها تتحرك نظرياً نحو هدف واضح هو إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة. أما اليوم، فالسؤال نفسه بدأ يتغير. عوضاً عن البحث عن الطريق المؤدي إلى الدولة الفلسطينية، أخذت مراكز التفكير ذاتها التي أشارت إليها موسكو تنشغل بسؤال كان يُعد حتى وقت قريب هامشياً: ماذا لو لم تقم هذه الدولة أصلاً؟ هنا تحديداً تبدأ خطورة المرحلة. فالحديث لم يعد يدور حول الدولة بقدر ما يدور حول ما سيأتي بعدها. وفي تقديري، إن عودة مشاريع الكونفدرالية والترتيبات الإقليمية والسلام الاقتصادي والأقاليم الوظيفية إلى الواجهة لا تعني أنها أصبحت أكثر إقناعاً؛ تعني أن الثقة بالمشروع القائم انهارت. والمفارقة أن كثيراً من هذه المشاريع يُسوَّق تحت مسميات لا تعكس حقيقته السياسية. فالكونفدرالية، كما عرفها الفكر الدستوري، تفترض دولتين مستقلتين تتمتع كل منهما بسيادة كاملة، ثم تقرران طوعاً إنشاء إطار اتحادي مشترك. أما المتداول اليوم فينطلق من واقع معاكس تماماً: إسرائيل تحتفظ بالحدود والأمن والمجال الجوي والقرار الاستراتيجي، وتُنقل الأعباء الديموغرافية والإدارية إلى الأردن أو إلى أطراف عربية أخرى. تسمية هذا كونفدرالية تضليل. الأدق تسميته كونوفيدرالية: أي صيغة هجينة تجمع بين الشكل الكونفدرالي ومفهوم فيدرالية السكان، فتفصل السكان عن السيادة، وتوزع المسؤوليات بينما تحتكر القرار. وما يبدو في الظاهر مشروعاً لتقاسم الأدوار هو في جوهره مشروع لإعادة توزيع نتائج الصراع من دون معالجة أسبابه. الكونوفيدرالية لا تحل القضية الفلسطينية. الكونوفيدرالية توزع تركتها كما يتوزع الدم بين القبائل، غير أن التوقف عند هذه المشاريع وحدها يخفي السؤال الأهم: لماذا ظهرت أصلاً؟ ظهور أفكار الكونوفيدرالية يعكس عمق الأزمة أكثر مما يشكل سبباً لها. وما يمنحها زخماً اليوم هو التآكل المتواصل للشروط المادية لقيام الدولة. على سبيل المثال عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية كان نحو ربع مليون عند توقيع أوسلو؛ اليوم تجاوز ثلاثة أرباع المليون. والفارق بين الرقمين هو تحول بنيوي جعل العودة إلى خريطة التسوية الأصلية أصعب مما كانت عليه قبل ثلاثة عقود. فالاستيطان الذي وُصف دائماً بأنه العقبة الكبرى أمام التسوية تحول إلى أداة لإعادة تشكيل الأرض التي يفترض أن تقوم عليها تلك التسوية، والمفاوضات انتقلت من وسيلة لإنهاء الاحتلال إلى إطار لإدارته. لم تعد المشكلة مقتصرة على رفض إسرائيل تنفيذ التسوية: الوقائع التي أنتجتها خلال العقود الماضية أسهمت في تقويض الأسس الجغرافية والسياسية والقانونية التي جعلت التسوية ممكنة من الأصل. ومن هذه النقطة يبدأ الانتقال من البحث عن سبل إحياء التسوية إلى البحث عن بدائل لها. جوهر القضية أن السياسات المتراكمة أفرغت التسوية نفسها من الأسس التي قامت عليها، وهو ما قالته محكمة العدل الدولية صراحة في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز 2024، حين خلصت إلى أن الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني ويجب إنهاؤه بأسرع وقت ممكن. هذه النقطة تنقل النقاش إلى مستوى مختلف تماماً. فبدلاً من الاكتفاء بالدفاع عن الحقوق الفلسطينية داخل الإطار القائم، يصبح من الضروري مراجعة الإطار.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جو ٢٤

منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 4 ساعات
خبرني منذ 4 ساعات
قناة رؤيا منذ 11 ساعة
قناة رؤيا منذ 8 ساعات
خبرني منذ 3 ساعات
خبرني منذ 5 ساعات
صحيفة الرأي الأردنية منذ 6 ساعات
موقع الوكيل الإخباري منذ 13 ساعة
موقع الوكيل الإخباري منذ 9 ساعات