تحليل اقتصادي: حين يتحول "سعر الصرف المستهدف" إلى أمنية اقتصادية

لا يختلف اثنان على أن استقرار سعر الصرف يمثل أحد أهم مفاتيح تخفيف الأزمة المعيشية في اليمن، كما لا يمكن إنكار العلاقة الوثيقة بين انهيار قيمة العملة الوطنية واتساع رقعة الفقر والتضخم وتآكل الدخول الحقيقية للأسر اليمنية. ومن هذه الزاوية، فإن الدعوة إلى استعادة قوة الريال اليمني تبدو مطلباً مشروعاً ومفهوماً، بل وضرورياً في ظل التدهور الاقتصادي الذي تعيشه البلاد.

غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في تحديد الرقم المستهدف لسعر الصرف، بل في الكيفية والأساليب الواقعية لتحقيقه.

فالحديث عن إعادة سعر صرف الريال اليمني إلى حدود 140 ريالاً مقابل الريال السعودي، كما كان الحال قبل الانقسام النقدي، يبدو أقرب إلى توصيف "النتيجة المرغوبة" منه إلى تقديم برنامج اقتصادي قابل للتطبيق في الظروف الحالية.

ذلك أن سعر الصرف ليس قراراً إدارياً يمكن فرضه بصورة مجردة، بل هو انعكاس مباشر لحجم الاحتياطيات الأجنبية، ومستوى الثقة بالنظام المالي، وقدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي، وطبيعة السياسة النقدية والمالية، ومدى استقرار الدولة ومؤسساتها.

ومن هنا يبرز السؤال الأكثر أهمية: من أين سيأتي البنك المركزي في عدن بالعملة الأجنبية الكافية لفرض هذا السعر والمحافظة عليه؟

فإذا لم تتوافر احتياطيات حقيقية ومستدامة من النقد الأجنبي، فإن أي محاولة لفرض سعر صرف منخفض بصورة مصطنعة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها عودة السوق السوداء بقوة أكبر، واتساع فجوة المضاربة، وتهريب العملات الأجنبية، وفقدان الثقة بالنظام المصرفي، واستنزاف ما تبقى من احتياطيات نقدية.

ولعل التجارب الدولية تقدم دروساً مهمة في هذا المجال. ففي الأرجنتين خلال تسعينيات القرن الماضي نجحت الحكومة في ربط البيزو بالدولار بنسبة واحد إلى واحد، وبدت التجربة في بدايتها نموذجاً للاستقرار النقدي. غير أن هذا الاستقرار كان يعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات رؤوس الأموال والاقتراض الخارجي أكثر من اعتماده على قوة الاقتصاد الحقيقي. وعندما تراجعت الثقة وتقلصت التدفقات المالية انهار النظام النقدي ودخلت البلاد أزمة عميقة عام 2001، أثبتت أن تثبيت سعر الصرف لا يكفي إذا لم تسنده أسس اقتصادية قوية.

وفي مصر، حاولت السلطات النقدية لسنوات الدفاع عن سعر صرف رسمي أقل من السعر الذي كانت تفرضه قوى السوق. وكانت النتيجة اتساع السوق الموازية واستنزاف الاحتياطيات الأجنبية وتزايد المضاربات. ولم يتحقق قدر من الاستقرار النسبي إلا بعد تبني إصلاحات مالية ونقدية أوسع، وإن كانت تلك الإصلاحات قد صاحبتها تكاليف اجتماعية ومعيشية كبيرة.

أما لبنان، فقد قدم مثالاً أكثر وضوحاً على هشاشة الاستقرار النقدي القائم على التدفقات الخارجية. فقد ظل سعر صرف الليرة ثابتاً لعقود طويلة، لكن هذا الثبات كان يعتمد على استمرار تدفق الأموال إلى القطاع المصرفي أكثر مما يعتمد على قوة الاقتصاد الإنتاجي. وعندما تراجعت تلك التدفقات انهار النظام المالي وانهارت معه العملة بصورة غير مسبوقة.

وفي زيمبابوي حاولت السلطات مراراً فرض أسعار صرف رسمية لا تعكس الواقع الاقتصادي، إلا أن السوق الموازية كانت تفرض سعراً مختلفاً يعكس حقيقة العرض والطلب ومستوى الثقة بالعملة الوطنية، لينتهي الأمر بواحدة من أسوأ تجارب التضخم والانهيار النقدي في العصر الحديث.

في المقابل، تكشف تجارب أخرى أن استقرار العملة كان نتيجة لإعادة بناء الاقتصاد والدولة، وليس نتيجة لاستهداف رقم معين لسعر الصرف. فبعد الحرب الأهلية في رواندا، ركزت الحكومة على بناء المؤسسات وتحسين الحوكمة وتعزيز الإيرادات العامة وجذب الاستثمار وتنشيط الصادرات. كما نجحت فيتنام في دعم استقرار عملتها عبر التحول التدريجي إلى اقتصاد إنتاجي وتصديري قادر على توليد النقد الأجنبي بصورة مستدامة.

والقاسم المشترك بين هذه التجارب جميعاً أن قوة العملة لم تكن نقطة البداية، بل كانت نتيجة لمسار إصلاحي اقتصادي ومؤسسي طويل.

ويزداد المشهد الاقتصادي والسياسي تعقيداً عندما تصبح الدولة أو السلطة القائمة معتمدة بصورة كبيرة على الخارج في تمويل الإنفاق العام أو دعم العملة الوطنية أو تغطية الاحتياجات الأساسية للسكان. فمثل هذا الاعتماد لا يجعل الاقتصاد هشاً فقط، بل يضع القرار الاقتصادي ذاته تحت تأثير الحسابات السياسية والإقليمية والدولية.

وفي الحالة اليمنية لا يمكن فصل أزمة سعر الصرف عن طبيعة الاعتماد الكبير على الودائع والمنح والمساعدات الإنسانية والتحويلات الخارجية والدعم السياسي والعسكري. فكل تحسن مؤقت في سعر العملة يصبح مرتبطاً باستمرار التدفقات الخارجية أكثر من ارتباطه بقدرة الاقتصاد المحلي على إنتاج القيمة أو توليد النقد الأجنبي بصورة مستدامة.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ لأن الاقتصادات التي تعتمد بصورة مفرطة على الخارج تفقد تدريجياً قدرتها على بناء سياسات اقتصادية مستقلة، وتصبح أكثر عرضة لتغير أولويات المانحين والتحولات الجيوسياسية والتقلبات الإقليمية.

كما أن الاعتماد المفرط على الدعم الخارجي قد يؤدي إلى تأجيل الإصلاحات الهيكلية الضرورية، لأن التدفقات المالية المؤقتة تمنح النظام الاقتصادي قدرة محدودة على الاستمرار دون معالجة جذور الاختلالات البنيوية المتعلقة بالإنتاج والإيرادات والحوكمة والفساد والانقسام.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من عدن تايم

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من عدن تايم

منذ 9 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 9 ساعات
المشهد العربي منذ 34 دقيقة
صحيفة عدن الغد منذ 17 ساعة
صحيفة عدن الغد منذ 10 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ 21 ساعة
المشهد العربي منذ 13 ساعة
صحيفة عدن الغد منذ 8 ساعات
عدن تايم منذ 9 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ 20 ساعة