ملخص يمكن القول إن الأعمال الشعرية والنثرية للشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد (1934 -1967) اكتملت في اللغة الفرنسية، بعدما تمت ترجمتها، بروح ابداعية، أمينة ووفية. وفي قصائد عدة لها، يلمح القارئ صورة عن طهران اليوم؛ طهران ما بعد الانتفاضة الأخيرة، وطهران ما بعد حركة "المرأة، الحياة، الحرية". وكانت أعمالها اثارت حفيظة الثورة الخمينية العام 1979، بعد 12 سنة على رحيلها، فمنعت كتبها فترة ثم اضطرت الى التراجع عن هذا المنع.
"حديقة بيتنا الصغيرة تشعر بالوحدة / طوال النهار نسمع خلف الباب أصوات الانفجارات والدويّ / جميع جيراننا يزرعون في حدائقهم / قذائف ومدافع رشاشة بدل الأزهار".
الأعمال الشعرية الكاملة التي التي صدرت عن دار غاليمار وفي سلسلتها الشهيرة "شعر"، بعنوان "سأمضي حتى شاطئ الشمس"، أنجزتها الكاتبة والباحثة المعروفة ليلي أنفار وكتبت لها مقدمة ودراسة ضافيتين، مع سيرة شاملة وتحقيق أكاديمي للدواوين والقصائد. أما الأعمال النثرية، فصدرت في طبعة محققة عن دار "لي بيل ليتر" (الآداب الجميلة) وقد أنجز الترجمة الكاتب والباحث سباستيان جالو، وكتب مقدمة، عطفاً على تحقيق الكتب والنصوص. وقد عهدت مجلة "الآداب الفرنسية الجديدة" التي تصدرها دار غاليمار، إلى وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة، اللبنانية الاصل، ريما عبد الملك، بتقديم الشاعرة فروغ فرخزاد، في العدد الفصلي (الرقم 664) مع نشر قصائد لها.
الأعمال الشعرية الكاملة بالترجمة الفرنسية (دار غاليمار) في المقدمة التي كتبتها للأعمال الشعرية (غاليمار) تسأل المترجمة ليلي أنفار: "لماذا يستمر هذا الانجذاب العالمي إلى شعر فروغ فرخزاد، بعد ما يقرب من ستين عاماً على وفاتها؟ لماذا يسكن صوتها الناس ويهزّهم إلى هذا الحد، ليس فقط الإيرانيات والإيرانيين، بل أيضاً جميع الناطقين بالفارسية خارج حدود إيران الحالية؟ ولماذا هي بالذات، بين كثر من الشعراء الحداثيين في القرن العشرين، الذين يمكن القول إن أعمالهم الشعرية هي الأكثر نضجاً، بل والأكثر اكتمالاً من الناحية الشكلية البحتة؟".
وتجيب: "ربما لأن الشعر الحقيقي لا يعنيه كثيراً الكمال الشكلي الصارم. فما يهم هو الصوت، الصوت في فرادته، وأصالته، وعالميته. ذلك الصوت هو الذي يبقى ويتواصل متجاوزاً الصمت والموت".
ولعل ما تسعى إليه فروغ، كما توضح أنفار، هو أن تقترب قدر الإمكان من "الجوهر الشعري الخالص" الذي يتغذّى من "دم الحياة" ومن الصور اليومية. ولعل الإمساك بالحياة مباشرةً داخل الشعر، كما تقول، يعني أيضاً، في نظرالشاعرة، التحرر من الأشكال الكلاسيكية عبر اعتماد ما تسميه "اللغة الطبيعية" أو "الفارسية المحكية"، وإدخال كلمات الحياة اليومية بكثرة، وهي الكلمات التي كانت تُعدّ حتى ذلك الحين "غير شعرية".
وتضيف أنفار: "في السياق الإيراني، حيث كانت الحياة الخاصة والفضاء الشعري على السواء مقيدين بقيود الاحتشام ومحكومين بمساحات واسعة من المسكوت عنه، كان لا بد من قدر كبير من الشجاعة للقطيعة مع كل ذلك، وتحويل الشعر إلى صرخة. كانت فروغ تريد كلاماً صريحاً وعارياً، وهو ما لم يستطع تحقيقه حتى أكثر معاصريها حداثةً، إذ كانوا يلقون على سيرتهم الذاتية ستاراً من الحياء الشعري. أما فروغ، فقد مزّقت الأستار، جميع الأستار".
الأعمال النثرية الكاملة (دار لي بيل ليتر) قد تكون هذه المقاطع من مقدمة ليلي أنفار خير مدخل إلى شعرية فروغ فرخزاد، الفريدة والمتفردة في الحركة الشعرية الحديثة، الإيرانية والعالمية. فهي التي وُلدت في طهران عام 1934 وماتت موتاً مأساوياً في حادث سيارة عام 1967، أسهمت إسهاماً كبيراً في تجديد الأدب الإيراني من خلال تجربة شعرية تتسم بالألفة والعمق والجرأة.
البدايات الشعرية
تكشف مجموعاتها الشعرية الأولى، "الأسيرة" (1955)، و"الجدار" (1956)، و"العصيان"(1958)، عن شاعرة ترفض القيود المفروضة على المرأة. ففي هذه الأعمال عبّرت بصراحة عن مشاعرها ورغباتها وإحباطاتها. تتناول فروغ موضوعات الحب والرغبة والهوية النسائية بصراحة غير مسبوقة. وقد أثارت هذه الجرأة جدلاً واسعاً في المجتمع الإيراني آنذاك، لأنها اخترقت الكثير من المحرمات الاجتماعية والأدبية المرتبطة بدور المرأة ومكانتها .وقد أثارت هذه الجرأة انتقادات واسعة في المجتمع الإيراني المحافظ، لكنها في الوقت نفسه جعلت منها رمزاً بارزاً للحداثة الأدبية.
شهدت تجربة فروغ فرخزاد تطوراً ملحوظاً مع مرور الوقت. ويُعد ديوان "ولادة أخرى" (1964) ذروة نضجها الفني وأهم أعمالها الشعرية. في هذا الديوان تتجاوز الشاعرة همومها الشخصية لتطرح أسئلة فلسفية تتعلق بالوجود والزمن والموت ومعنى الحياة. وتصبح صورها الشعرية أشد عمقاً ورمزية، ويكتسب خطابها الشعري طابعاً إنسانياً شاملاً. وتظهر الطبيعة والنور والبعث المتجدد بوصفها رموزاً متكررة تعبر عن الأمل في التحول الداخلي والتجدد الروحي. في هذا الديوان بلغت فروغ مرحلة من النضج الفني والفكري. اتسعت رؤيتها الشعرية لتشمل قضايا وجودية واجتماعية وفلسفية، وأصبحت قصائدها تجمع بين التجربة الشخصية والتأمل الإنساني العميق. وتميزت أعمالها بقدرتها على المزج بين الغنائية الشعرية والنقد الاجتماعي والبحث عن الحرية الفردية.
وقد برز في هذه المرحلة تأثرها بجماليات السينما الوثائقية، مما منحها نظرة أكثر اتساعاً وتعقيداً إلى الواقع الاجتماعي، وانعكس بوضوح في قصائدها. فهي كانت مخرجة سينمائية، وقد أنجزت عام 1962 فيلماً وثائقياً بعنوان "البيت أسود"، عن مصير المصابين بالجذام في مستعمرة للجذام قرب تبريز. وقد لقي الفيلم ترحاباً عالمياً، ويُعد من الأعمال التأسيسية للموجة الجديدة في السينما الإيرانية. وخلال تصوير الفيلم، تعلّقت بطفل يُدعى حسين منصوري، كان ابناً لأبوين مصابين بالجذام، فتبنّته وربّته بنفسها في منزل والدتها. فهي كانت حرمت بعد طلاقها من زوجها الكاتب الساخر برويز شابور، من حضانة ابنها الوحيد كاميار، الذي كتبت فيه قصائد منها "قصيدة لك" و"العودة". هذا الحرمان ترك أثراً نفسيّاً بالغاً في حياتها، خصوصاً بعد أن قُيّد حقها برؤية ابنها، بتهم أخلاقية مرتبطة بعلاقاتها الغرامية.
الشاعرة الرائدة (صفحة الشاعرة - فيسبوك) يقول عنها الروائي ماتياس إينار: "كانت حياة فروغ القصيرة مليئة بالشغف، لكنها جرت أيضاً عبر نهرٍ مظلم، بصوتٍ خافت وعميق وتحت الأرض: محاولات انتحار، اكتئاب، مستشفى للأمراض النفسية، وعلاجات بالصدمات الكهربائية. وتعكس رسائلها، هذه الحياة المؤلمة، إذ تتأرجح بين متع الإبداع وصعوبة إيجاد مكان لها في عالمٍ خاضع كلياً، أو يكاد، لإرادة الرجال".
تدور أبرز موضوعات شعرها حول الحرية، والهوية النسائية، والحب، والوحدة، والتمرد على التقاليد الاجتماعية، والسعي إلى اكتشاف الذات. ولهذا السبب تركت أثراً بالغاً في الأجيال اللاحقة من الشعراء والكتاب في إيران وخارجها. وبعد الثورة الإيرانية عام 1979، تعرضت بعض أعمالها للمنع أو الرقابة، لكنها استعادت مكانتها تدريجاً بوصفهاً جزءاً أساسياً من التراث الأدبي الإيراني الحديث.
تميزت كتابات فروغ بالجرأة والصدق، واستطاعت أن تهزّ القواعد الاجتماعية والأدبية السائدة في عصرها. ومن خلال قصائدها عبّرت فروغ عن تطلعات المرأة ومعاناتها وتناقضاتها في مجتمع كانت تهيمن عليه التقاليد الأبوية.
عندما نشرت فروغ فرخزاد دواوينها الأولى، كان الشعر الإيراني لا يزال خاضعاً إلى حدّ كبير لرؤية ذكورية للعالم والتجربة الإنسانية. وكانت موضوعات الحب والرغبة والحياة الداخلية تُعالج غالباً من منظور الرجل. غير أن فروغ كسرت هذا التقليد، وقدمت صوتاً نسائياً أصيلاً وشخصياً.
الحرية المتعددة
يُعد السعي إلى الحرية أحد المحاور الأساسية في شعر فروغ فرخزاد. وتتجلى هذه الحرية على مستويات عديدة: الحرية الشخصية، الحرية العاطفية، الحرية الفكرية. وغالباً ما تعكس قصائدها الصراع بين تطلعات الفرد والقيود التي تفرضها الأعراف الاجتماعية.
عبّرت فروغ عن الشعور بالاختناق الذي قد تعاني منه المرأة في مجتمع يحدّ من استقلاليتها. لكن شعرها لا يقتصر على النقد الاجتماعي فحسب، بل يتناول أيضاً أبعاداً إنسانية شاملة مثل الحاجة إلى الحب، الوحدة، الخوف، الأمل، والرغبة في إيجاد معنى للحياة.
وتُعد مسألة الهوية من أكثر الجوانب حداثة في كتاباتها، إذ يتحول "الأنا" الشعري إلى فضاء للتأمل ومواجهة التناقضات الإنسانية. ومن هنا يتجاوز شعرها البعد الشخصي ليكتسب طابعاً إنسانياً عالمياً.
يشغل الحب مكانة مركزية في شعر فروغ فرخزاد. لكنها، خلافاً للتقاليد الأدبية السائدة، قدمت الرغبة الأنثوية باعتبارها تجربة إنسانية مشروعة تستحق التعبير عنها. وقد مثّل هذا الموقف ثورة ثقافية حقيقية في إيران خلال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين.
يتمثل الحب في قصائدها كتجربة معقدة يختلط فيها الألم والغياب والهشاشة الإنسانية. ويصبح الحب وسيلة لاكتشاف الذات والعالم في آن واحد، مما يمنح شعرها قوة عاطفية مميزة.
كان التعبير المباشر عن المشاعر النسائية أحد الأسباب التي.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من اندبندنت عربية
