شهد الأردن خلال السنوات الأخيرة تحولاً قانونياً واقتصادياً مهماً تمثل في تقليص الاعتماد على حبس المدين كوسيلة لتحصيل الديون. وقد أثار هذا التحول نقاشاً واسعاً بين من رأى فيه خطوة حضارية تتوافق مع أفضل الممارسات الدولية وتحمي الحقوق والحريات الفردية، وبين من خشي من أن يؤدي إلى زيادة حالات التعثر وعدم السداد وإضعاف الثقة في المعاملات التجارية والمالية.
لكن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان ينبغي حبس المدين أم لا، بل ما هي الآلية الأكثر كفاءة لضمان الوفاء بالالتزامات المالية؟ وهل يستطيع التاريخ الائتماني أن يحل محل السجن بوصفه أداة للانضباط المالي وحماية حقوق الدائنين؟
في الواقع، لم يعد حبس المدين يشكل الأداة الرئيسية لتحصيل الديون في معظم الاقتصادات المتقدمة. فالدول الحديثة توصلت منذ عقود إلى قناعة مفادها أن السجن (وهو مكلف ويثقل على موازنة الدولة)، لا يولد دخلاً، ولا يساعد المدين على السداد، بل قد يفاقم المشكلة عبر حرمان المدين من العمل والإنتاج وإضعاف قدرته على الوفاء بالتزاماته. ولذلك استبدلت معظم الدول هذه الآلية بما يمكن تسميته "العقوبة الاقتصادية طويلة الأجل"، والمتمثلة في التاريخ الائتماني والتصنيف الائتماني.
ففي الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وأستراليا ومعظم دول أوروبا، يدرك المواطن أن عدم سداد التزاماته المالية لن يقوده إلى السجن، لكنه سيؤثر على سمعته الائتمانية لسنوات طويلة، ليجد نفسه غير قادر على الحصول على قرض سكني أو تمويل سيارة أو بطاقة ائتمان أو تسهيلات تجارية أو تمويل لمشروع جديد. وهكذا يتحول الالتزام بالسداد من الخوف من العقوبة القانونية إلى الحرص على المحافظة على السمعة الاقتصادية. وهو ما يسمى في الاقتصاد "الاستيعاب الداخلي"، ويعني إدخال المنافع أو التكاليف الخارجية ضمن عملية اتخاذ القرار الاقتصادي.
وقد أثبتت التجارب الدولية نجاح أداة التاريخ الائتماني والتصنيف الائتماني بصورة واضحة. فأنظمة المعلومات الائتمانية ساعدت على تخفيض مخاطر الإقراض، وتحسين قدرة البنوك والمؤسسات المالية على تقييم العملاء، وتوسيع الوصول إلى التمويل، وتخفيض كلفة الاقتراض للمقترضين الملتزمين، كما ساعدت على الحد من الإفراط في الاستدانة ومنحت المؤسسات المالية أدوات أكثر دقة وعدالة في إدارة المخاطر.
أصبح التاريخ الائتماني اليوم أحد أهم الأصول الاقتصادية التي يمتلكها الفرد أو الشركة. ففي كثير من الدول المتقدمة، لا يسأل البنك فقط عن الدخل أو الضمانات، بل يبدأ أولاً بفحص السجل الائتماني للعميل. وأحياناً يصبح هذا السجل أكثر أهمية من قيمة الضمان نفسه، فوظيفة البنك هي الإقراض وتوفير الأصول المالية وليس التجارة بالعقارات أو الأراضي.
في الأردن، بدأ الاهتمام المؤسسي بهذا الملف مع صدور قانون المعلومات الائتمانية رقم 15 لسنة 2010، الذي وضع الأساس القانوني لإنشاء شركات متخصصة بجمع المعلومات الائتمانية وتحليلها وتقديمها للجهات المانحة للائتمان. وبعد ذلك منح البنك المركزي الأردني أول ترخيص لشركة معلومات ائتمانية، وهي شركة كريف الأردن(CRIFJordan)، التي بدأت أعمالها التشغيلية خلال عام 2016.
ومنذ ذلك الحين أصبحت "كريف" تجمع البيانات من البنوك وشركات التمويل وشركات التأجير التمويلي ومؤسسات التمويل الأصغر وعدد من مزودي الخدمات، وتصدر تقارير وتصنيفات ائتمانية تساعد المؤسسات المالية على تقييم العملاء قبل منحهم التمويل.
ولا شك أن وجود هذه المنظومة يمثل تطوراً مهماً مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقد من الزمن. فالبنوك اليوم تمتلك معلومات أفضل عن المقترضين، وأصبحت قرارات الإقراض تعتمد بصورة أكبر على البيانات الفعلية بدلاً من التقديرات الشخصية أو العلاقات الفردية. كما أصبح بإمكان المواطنين الاطلاع على تقاريرهم الائتمانية ومعرفة وضعهم المالي بصورة أكثر وضوحاً.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل نجحت منظومة المعلومات الائتمانية الأردنية في أن تصبح بديلاً حقيقياً عن حبس المدين؟الإجابة تبدو حتى الآن: ليس بالكامل.فالنجاح الكامل لهذا النظام يتطلب أن يصبح التاريخ الائتماني عاملاً حاسماً في الحياة الاقتصادية للفرد والشركة، ويجب أن يدرك المواطن أن أي تعثر في السداد سيؤثر مباشرة على قدرته على الاقتراض أو الاستثمار أو الحصول على تسهيلات مالية مستقبلاً. كما يجب أن تشارك جميع المؤسسات المالية والتجارية الكبرى في تبادل المعلومات الائتمانية وأن تعتمد فعلياً على نتائج التصنيف الائتماني في قراراتها.
وفي المقابل، لا يزال كثير من الأردنيين لا يدركون أهمية السجل الائتماني، كما أن تأثيره العملي على بعض القرارات الاقتصادية لا يزال محدوداً مقارنة بما هو قائم في الاقتصادات المتقدمة. وهذا يعني أن الأردن لم يكتمل انتقاله بعد من ثقافة العقوبة القانونية إلى ثقافة السمعة الائتمانية.
ومن زاوية أخرى، يثار سؤال مهم يتعلق ببنية السوق نفسها: هل من المناسب أن تكون هناك شركة معلومات ائتمانية واحدة فقط في الأردن؟هناك حجج قوية تدعم وجود شركة واحدة. فقاعدة البيانات الموحدة تقلل من تضارب المعلومات، وتخفض الكلف التشغيلية، وتسهل الرقابة من قبل البنك المركزي. كما أن حجم السوق الأردني قد لا يكون كبيراً بما يكفي لاستيعاب عدد كبير من الشركات المتنافسة.
لكن، إن وجود شركة واحدة يثير أيضاً تساؤلات مشروعة حول المنافسة والابتكار وجودة الخدمة وحتى الاحتكار وأثره على الأداء. ففي الولايات المتحدة توجد عدة شركات كبرى للمعلومات الائتمانية مثل ايكويفاكس وإكسبيريان و ترانزيونيون. ويؤدي وجود أكثر من شركة إلى تحسين جودة البيانات والخدمات وتطوير أدوات تحليل جديدة وتخفيض الكلف على المستخدمين.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الأردن يحتاج فوراً إلى ثلاث أو أربع شركات معلومات ائتمانية، لكن من المشروع أن يطرح السؤال حول ما إذا كان السوق الأردني قد وصل إلى مرحلة تسمح بوجود منافس أو أكثر لكريف في المستقبل، أو على الأقل تطوير بيئة أكثر تنافسية في مجال.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرأي الأردنية
