مارشال الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية

مع التوصل لاتفاق بشأن مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة تصل حرب المئة يوم (107 يوم على وجه التحديد) إلى ما يبدو أنه محطتها النهائية.

أعتقد أن التاريخ سيذكر حرب المئة يوم بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل بأنها نقطة مفصلية في تاريخ المنطقة والعالم، حيث تنتقل بنهايتها (إذا ما قدر أن يتوصل الإيرانيون والأمريكيون إلى اتفاق سلام نهائي في ظرف 60 يوما كما تنص المذكرة) توازنات القوى في المنطقة من حال إلى حال، بل وتتغير مفاهيم القوة و الحرب و الاقتصاد إلى ما قبل وما بعد حرب المئة يوم ، أو أزمة هرمز ، أو حرب هرمز .. سمها ما شئت.

تحولت إيران خلال هذه الحرب من قوة إقليمية إلى قوة دولية مؤثرة، إلا أن إيران في الداخل ما بعد المئة يوم هي الأخرى لن تعود كما كانت قبلها، وما تشي به المذكرة يفصح عن آفاق مختلفة ليس فقط لإيران الخارجية التي ربما ستعود للاندماج في المجتمع الدولي بعد عزلة دامت 47 عاما، ولكن أيضا لقوى جديدة ستظهر داخل المجتمع الإيراني نفسه، تتحدث لغة أخرى دون قطيعة مع الطبيعة الإسلامية للجمهورية، ولكن ربما بمسحة اقتصادية تنموية (ليبرالية ربما) تختلط فيها إعادة الإعمار مع تغير طبيعة الملكية وتوازن القوى وموائمات الاقتصاد والعلاقات مع الجيران والعالم.

بنهاية الحصار البحري لهرمز سيتنفس العالم الصعداء، لكن تداعيات الأزمة ستظل تخيم على العالم لسنوات مقبلة، وربما تواجهنا أزمات اقتصادية خلال نصف العام المقبل في عدد من الدول الفقيرة والمتعثرة بسبب انقطاع سلاسل الإنتاج وتوقف إمدادات الطاقة.

إلا أن موجة إعادة الإعمار مع تحرير الأصول الإيرانية المجمدة يعد بما يشبه مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا بعد دمار الحرب العالمية الثانية. وكما هو الحال بعد الحروب تعد هذه الموجة بشرق أوسط جديد يبحث أولا عن هيكل أمني جديد، بعد أن تهدم الهيكل القديم، القائم على وهم الأحادية والهيمنة القطبية للولايات المتحدة على ما عداها من قوى، وثانيا عن نماذج اقتصادية وتكاملية جديدة تضع في حسبانها المراكز الاقتصادية الجديدة في آسيا وربما تعيد حتى تعريف مفهومي الشرق الأوسط و الشرق الأقصى نسبة إلى الاستعمار البريطاني القديم، وثالثا عن ضمانات جديدة لممرات الطاقة في جميع أنحاء العالم.

آمل أن يكون العالم قد استوعب درسي كورونا و هرمز ، وأدرك مدى ارتباط عالم القرن الحادي والعشرين ببعضه البعض على نحو يؤثر فيه فيروس لا يرى بالعين المجردة وممر مائي ضيق كمضيق هرمز على اقتصاد العالم أجمع، وعلى أسعار الوقود والسلع الغذائية في أبعد نقطة في إفريقيا أو حتى الولايات المتحدة نفسها.

في السياق ذاته آمل أن يدرك العالم ضرورة أن يتم حل جميع القضايا على التوازي وليس على التوالي، فالسلام الدائم والشامل والعادل في الشرق الأوسط لا يزال بعيد المنال وإن كان يبدو في ظل الظروف الراهنة أقرب وأكثر منطقية. وأتمنى أن يفهم القلة المارقة، ممن تبقى في المجتمع الدولي عاجزا عن الفهم، أن القضية الفلسطينية ليست قضية الفلسطينيين أو العرب أو المسلمين وحدهم، بل هي قضية العالم أجمع، وهي قضية الأحرار، بل قضية الحرية نفسها. ولن يهدأ العالم، أو تهدأ التوترات قبل التوصل إلى حل لهذه القضية.

إن خطوة التوقيع على مذكرة التفاهم ستكون خطوة جيدة ومبشرة بالكثير بالنسبة للمنطقة والعالم، إلا أنه ينبغي علينا أن نتبعها بخطوات حاسمة وسريعة أولها عقد مبادرة لقمة عربية تحدد الأسس للتوصل إلى مذكرة تفاهم متوازية مع الولايات المتحدة بشأن التوصل إلى سلام دائم وشامل وعادل في الشرق الأوسط يستند إلى إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي يتضمن الشروط التالية:

أولا: الانسحاب الكامل من الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي صدارتها القدس الشرقية.

ثانيا: الانسحاب الإسرائيلي من الجولان السوري المحتل.

ثالثا: مناقشة الفترة الزمنية لإعادة إعمار غزة. (في هذا الصدد، ينبغي الإشارة إلى الأجواء الإيجابية في القاهرة حيث عقدت الحركة والفصائل والوسطاء من مصر وقطر وتركيا اجتماعا وقدموا موقفا وطنيا موحدا اتسم بالإيجابية في التعامل مع خارطة الطريق الخاصة بتطبيق المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب).

رابعا: الاتفاق على آلية تنفيذ ومراقبة الالتزام بخارطة الطريق وإعادة الإعمار.

خامسا: أقترح ضم الصين إلى الرباعية الدولية لحل القضية الفلسطينية، لما لها من ثقل سياسي ودبلوماسي سواء على مستوى المقعد الدائم في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة أو ما أظهرته إلى جانب روسيا من ثبات على المواقف السياسية الدولية العادلة ودفاعا عن الحق والعدل.

سادسا: المضي قدما نحو تهدئة الأوضاع، والعودة إلى طاولة المفاوضات في إطار مقررات الشرعية الدولية وإجبار الحكومة الإسرائيلية على الانصياع لإرادة المجتمع الدولي والتفاوض بشأن وتنفيذ حل الدولتين على حدود الرابع من يونيو 1967.

أتمنى أن يكون الرئيس الأمريكي قد أدرك أن محو إيران غير عقلاني ولا منطقي، وأن تصريحات من هذه العينة، وبرغم أنها مصممة فقط للاستهلاك الإعلامي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أنها تظل في الذاكرة وترتبط بالشخصيات العامة أكثر من كونها تصريحات جادة قابلة للتنفيذ. وأرجو كذلك أن يطبق ما حدث خلال حرب المئة يوم على جميع أنحاء العالم في شتى الأزمات حول العالم. فقد تغيرت نظرية الحرب، ونظرية الاقتصاد، ونظرية ممرات الطاقة، وسلاسل الإنتاج وغيرها. لقد تغير العالم، ولم تعد الولايات المتحدة بالقطع القوة المهيمنة الوحيدة على مصائر البلاد والعباد.

ينتقل العالم اليوم إلى التعددية القطبية، ومحاولة إيقاف عقارب الساعة والتاريخ جنون. لا بد على الولايات المتحدة أن تدرك هذه الحقيقة في تعاملها كذلك مع الأزمة الأوكرانية وما حولها. كما ينبغي على الأوروبيين الذين يسعون اليوم لإشعال حرب عالمية جديدة في القارة العجوز، أن ما يسعون إليه من إنشاء أقوى جيش في أوروبا (المستشار الألماني فريدريش ميرتس)، وتغطية أوروبا بـ المظلة النووية الفرنسية (الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون)، ليس سوى أوهام وأضغاث أحلام في عالم لم يعد يحتمل الهزل.

أملي أن يتحرك العالم بخطوات سريعة نحو السلام والأمن والاستقرار في جميع أنحائه، فما يهددنا من آفات وكوارث طبيعية وزلازل وبراكين يحتاج منّا التضامن والتكاتف ومواجهة تلك المخاطر بدلا من المزايدة عليها وخلق مخاطر وتوترات أخرى جراء الصراع مع بعضنا البعض.

رامي الشاعر


هذا المحتوى مقدم من وكالة وطن للأنباء - العراق

إقرأ على الموقع الرسمي


قناة السومرية منذ 12 ساعة
قناة السومرية منذ 3 ساعات
عراق أوبزيرڤر منذ 5 ساعات
قناة السومرية منذ 14 ساعة
وكالة السداد الاخبارية منذ 45 دقيقة
عراق أوبزيرڤر منذ 10 ساعات
قناة السومرية منذ 15 ساعة
وكالة عاجل وبس منذ 4 ساعات