لا تمرّ الحروب الكبرى في تاريخ الأمم كعواصف عابرة تغيّر الحدود وتُبدّل أنظمة الحكم وتقتل البشر وتهدم العمران ثم تمضي، بل هي زلازل عميقة تضرب صميم الوجدان البشري وتهزّ القناعات المستقرة، تاركةً وراءها تصدّعات لا تلتئم إلا بولادة منظومات فكرية جديدة. هكذا علّمتنا دروس التاريخ القاسية؛ فبعد الحرب العالمية الثانية، حين وقفت البشرية مذهولة أمام مشاهد الإبادة ورماد المدن المدمَّرة، لم يعد ممكناً للعقل الغربي أن يفكّر بالأدوات القديمة، فمن رحم تلك المأساة وُلدت الفلسفة الوجودية وازدهرت مدرسة فرانكفورت النقدية تسأل بمرارة: كيف يمكن التفكير في الإنسان بعد كل هذا الخراب؟ وفي منطقتنا العربية، لم تكن هزيمة 1967 مجرد هزيمة عسكرية وضياع أوطان، بل انهياراً مدوّياً لمشروع قومي، أفرز مراجعات فكرية قاسية وتيارات أيديولوجية حاولت الإجابة عن أسئلة الوحدة والتحرر والنهضة.
واليوم، ونحن نقف أمام تداعيات حرب الإبادة على غزة وامتداداتها إلى لبنان والخليج، ندرك أننا أمام حدث حقبي بامتياز، بل زلزال يوازي في قوته التدميرية والوجدانية تلك المحطات التاريخية الكبرى، وربما يتفوّق عليها إنسانياً. فقد مسّت هذه الحرب وجدان الإنسان العربي في أعمق طبقاته، وأعادت تشكيل وعي جيل لم يشهد النكبة ولا النكسة، لكنه يعاين نكبته الخاصة كاملةً على الهواء مباشرة.
غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في ضعف الاستجابة الفكرية لهذا الزلزال. فبينما كانت الحروب تاريخياً تستولد مدارس فلسفية تبحث عن البديل وتؤطّر الغضب وتحوّله إلى مشروع نهضوي، يبدو الفضاء العربي اليوم غارقاً في التشظي والتصحر؛ فالأفكار الطافية على السطح، والأيديولوجيات التي تحاول تصدّر المشهد، من النمط ذاته الذي أنتج هذا الواقع، أو تقتصر على خطاب باهت معزول في غرف رقمية مغلقة، عاجز عن النفاذ إلى الجماهير أو تقديم أمل في بديل. لقد استُبدل المفكر العضوي الذي يقود الجماهير بمؤثّر رقمي.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
