عدنان الأحمدي يكتب: اختبارات القدرات والتحصيلي ومعايير القبول: هل حان الوقت لمراجعة هذه المنظومة؟

مع انقضاء موسم اختباري القدرات والتحصيلي، تتجدد في كل بيت يضم طالباً أو طالبة في المرحلة الثانوية حالة طوارئ صامتة وممتدة؛ حيث تتشارك الأسرة عبء ضغوط نفسية وعصبية قاسية، ويُطالَب المراهقون بالتركيز المطلق على التحصيل، بينما يخوضون في صمت معارك من القلق وفقدان الثقة قد لا تطفو إلا في لحظات انفجار نادرة. وهنا نقع في انفصام تربوي حاد؛ فبينما تضج منصات التوجيه بنصائح حالمة: «ادرس ما تحب، واتبع شغفك»، يصطدم هؤلاء بجدار النسبة الموزونة التي تقف كمقصلة تحرمهم من التخصص الذي يملكون فيه شغفاً حقيقياً، فيتحول الشغف إلى وهم، وتغدو رغبة الطالب ضحيةً لآلية فرز صماء لا تعبأ بقدراته المتعددة.

هذا الاستنزاف ليس ضغطاً عابراً، بل جناية بيولوجية تثبتها أبحاث علم الأعصاب التربوي. فدراسات البروفيسورة سارة جين بليكمور من جامعة كلية لندن تشير إلى أن دماغ المراهق، وتحديداً «القشرة الجبهية» المسؤولة عن اتخاذ القرار والتخطيط، يمر بإعادة هيكلة جذرية ولم يكتمل نموه بعد، فيما تكشف أبحاث أخرى عن ارتفاع ملحوظ في هرمون التوتر «الكورتيزول» خلال الاختبارات المصيرية بدرجة تُربك القدرة الإدراكية وتُعطّل أداء الدماغ. نحن إذن أمام معايير لا تقيس قدرات الطالب ولا شغفه فحسب، بل تختلط بقياس قدرة جهازه العصبي -غير المكتمل بيولوجياً- على تحمّل التوتر!

ولعل أبلغ ما يُقال هنا إن سلسلة من الدراسات الحديثة، محلياً وعالمياً، تكاد تُجمع على نتيجة واحدة: أن اختبارات القبول المعيارية على اختلاف مسمياتها لا تفسر مجتمعةً سوى ما بين ربع وثلث تباين الأداء الجامعي الفعلي للطالب، أي أن قرابة سبعين بالمئة من قدراته الحقيقية تظل خارج عدسة هذه الاختبارات. بل كشفت تحليلات بعدية عالمية شملت عشرات الآلاف من الطلاب أن المعدل التراكمي للثانوية يتفوق على اختبارات القبول في التنبؤ بإكمال الطالب لدراسته الجامعية، وأن عوامل غير معرفية كالكفاءة الذاتية والدافعية وعادات الدراسة والبيئة المحيطة تتفوق أحياناً على هذه الاختبارات في تفسير الأداء. فأي عدالة هذه التي تُختصر فيها سبعون بالمئة من العقل البشري في صمت رقمي؟

ولو تأملنا في الممارسات التي تحكم منظومتنا الثلاثية (التراكمي والقدرات والتحصيلي)، لبرز خلل أوزانٍ صريح يساوي بين جهد ثلاث سنوات دراسية وساعتي اختبار حاسوبي قد تحسم مصير الطالب بالكامل. ويتفرّع عنه ظواهر متشابكة: هروبٌ متزايد نحو المدارس المتساهلة التي تمنح معدلات مرتفعة بسهولة فيُفرَّغ التعليم الثانوي من قيمته المعرفية، وسوقٌ تجاري نشط يستهدف المراهقين بدورات وكتب تبيعهم «توقعات القياس» بدلاً من البناء العلمي الرصين، وإقصاءٌ منهجي للمواهب المتعددة من ذوي القدرات الاجتماعية والإبداعية والقيادية. ويزيد من حدة المفارقة ذلك التناقض الصارخ بين مناهج حديثة تدعو الطالب للتفكير النقدي، واختبارات قبول لا تتطلب سوى مهارات فك شفرات الأسئلة السريعة، فيُختزَل الطالب الذي قضى ثلاث سنوات في بناء حصيلة معرفية في درجة اختبار «محوسب»، ليُدفَع بسبب «أعشار الدرجة» إلى تخصصات لا يرغبها، فيدخل قاعات الدراسة بلا شغف، وقد يخرج إلى سوق العمل بلا تميّز.

ولستُ هنا مع النسخ الأعمى من تجارب الجهات الخارجية، فلكل بيئة خصوصياتها، لكن الاستفادة المُحَكَّمة من تجاربها بابُ حكمةٍ لا يُغلق. فالدول التي قطعت شوطاً في إصلاح القبول لم تُلغِ الاختبارات المعيارية، لكنها أحاطتها بأدوات أكثر إنصافاً لطبيعة العقل البشري. فجامعات النخبة الأمريكية كهارفارد وستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتقنية تتبنى ما يُعرف بـ«التقييم الشمولي» الذي يدمج الدرجات الأكاديمية مع المقابلة الشخصية والمقالة وملف الإنجاز وتوصيات المعلمين، فيُقرأ الطالب «إنساناً متكاملاً».....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة عكاظ

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة عكاظ

منذ 4 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
صحيفة عاجل منذ 6 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 9 ساعات
قناة الإخبارية السعودية منذ 6 ساعات
صحيفة سبق منذ 14 ساعة
اليوم - السعودية منذ 8 ساعات
قناة الإخبارية السعودية منذ 6 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 6 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 14 ساعة