بن دغر يعيد إحياء وثيقة 2006.. هل كانت الفيدرالية الحل الذي سبق الجميع إلى طرحه؟

أعادت الوثيقة السياسية التي نشرها رئيس مجلس الشورى أحمد عبيد بن دغر، والصادرة عام 2006، فتح باب النقاش مجدداً حول جذور الأزمة اليمنية وشكل الدولة ومستقبل النظام السياسي، بعد أن اعتبرها عدد من الكتاب والمراقبين رؤية مبكرة استشرفت تعقيدات المشهد اليمني وقدمت الفيدرالية كحل لمعالجة الاختلالات البنيوية التي رافقت تجربة الوحدة.

وتحوّلت إعادة نشر الوثيقة على منصة "إكس" إلى مادة للنقاش السياسي والفكري، خصوصاً في ظل استمرار الحرب والانقسامات السياسية وتراجع فرص الوصول إلى صيغة جامعة لإعادة بناء الدولة اليمنية.

وثيقة سبقت الأحداث

الكاتب والإعلامي سمير اليوسفي وصف الوثيقة بأنها "نبوءة سياسية" مبكرة، معتبراً أنها لم تكن مجرد رسالة حزبية عابرة، بل قراءة عميقة لأسباب الأزمة اليمنية قبل سنوات من انفجارها بصورة أوسع.

وقال اليوسفي إن الوثيقة أعادت تعريف أصل المشكلة اليمنية باعتبارها أزمة إدارة دولة وليست أزمة وحدة، موضحاً أن بن دغر رأى مبكراً أن الخلل يكمن في المركزية الشديدة التي أُديرت بها الدولة بعد عام 1990، وليس في مبدأ الوحدة نفسه.

وأضاف أن الوثيقة طرحت الفيدرالية كبديل مؤسسي قادر على تحقيق التوازن بين المركز والأطراف، وضمان شراكة سياسية أوسع في إدارة الدولة.

من وثيقة العهد والاتفاق إلى مؤتمر الحوار

ويشير مراقبون إلى أن ما يلفت الانتباه في الوثيقة هو استحضارها المبكر لأهمية وثيقة العهد والاتفاق باعتبارها محطة إصلاحية كان يمكن أن تفتح الباب أمام معالجة الاختلالات السياسية لو تم تنفيذها.

ويرى اليوسفي أن الأحداث اللاحقة أثبتت صحة كثير من المخاوف التي حملتها الوثيقة، مشيراً إلى أن حرب 1994 جاءت بعد توقيع وثيقة العهد والاتفاق، فيما اندلعت حرب 2015 بعد التوافق على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، ما يعكس ـ بحسب رأيه ـ أزمة مزمنة تتمثل في تغليب القوة على التوافقات السياسية.

وثيقة تستحق التأمل

من جانبه يرى الدبلوماسي والكاتب السياسي هاني البيض أن الوثيقة ما تزال جديرة بالقراءة بعد نحو عقدين من صدورها.

وقال البيض إن أهمية الوثيقة لا تكمن في الاتفاق أو الاختلاف مع مضمونها، بل في كونها حاولت تشخيص جذور المشكلة اليمنية بعيداً عن الخطابات التعبوية والانفعالات السياسية.

وأضاف أن الرسالة ركزت على فكرة جوهرية تتمثل في أن الأزمة لم تكن ناتجة عن الوحدة اليمنية نفسها، وإنما عن أسلوب إدارتها وآليات توزيع السلطة والثروة داخل الدولة.

وأوضح أن المركزية المفرطة ساهمت في خلق اختلالات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، وأضعفت الدولة بدلاً من تعزيزها.

الفيدرالية.. مشروع قديم يتجدد

ويؤكد باحثون في الشأن اليمني أن الجدل حول الفيدرالية ليس جديداً، إذ ظل حاضراً في النقاشات السياسية منذ سنوات طويلة، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز مخرجات مؤتمر الحوار الوطني اليمني.

ويرى الباحث السياسي الدكتور عبدالسلام محمد أن الفيدرالية كانت محاولة للبحث عن صيغة توازن بين متطلبات الوحدة وضرورات الشراكة السياسية والتنموية.

مبيناً أن الفيدرالية جاءت كخيار للتحرر من المركزية المطلقة التي كانت تتركز في صنعاء، والتي تسببت تاريخياً في تهميش الأطراف، سوء توزيع الثروات، وغياب العدالة الاجتماعية.. وأن الهدف الأساسي كان إيجاد إطار سياسي يستوعب التنوع الجغرافي، والثقافي، والسياسي في اليمن، مع منح الأقاليم صلاحيات واسعة لإدارة شؤونها المحلية والتنموية دون تدخلات تعيق تقدمها.

ولكي تنجح الفيدرالية كصيغة توازن حقيقية، شدد الكاتب على ضرورة توفر شروط جوهرية؛ أبرزها وجود دستور عادل، مؤسسات رقابية شفافة، وتوزيع عادل للثروات السيادية (كالنفط والغاز والموانئ) لمنع تحول الأقاليم إلى "دويلات" متصارعة أو تكريس الانفصال.

كما يرى عبدالسلام إن النقاش حول شكل الدولة سيظل مطروحاً بقوة طالما بقيت الأسباب التي أنتجت الأزمة اليمنية قائمة دون معالجة.

ثبات الرؤية أم تطور الموقف؟

ومن النقاط التي توقف عندها اليوسفي أن رؤية بن دغر للفيدرالية سبقت تحركاته السياسية اللاحقة، إذ كتب أفكاره وهو لا يزال في قيادة الحزب الاشتراكي اليمني، قبل انتقاله إلى مواقع سياسية مختلفة.

ويرى مراقبون أن هذه الجزئية تمنح الوثيقة بعداً فكرياً يتجاوز الحسابات الحزبية الآنية، وتدفع إلى قراءتها باعتبارها مشروعاً سياسياً متكاملاً أكثر من كونها موقفاً سياسياً ظرفياً.

كما يشير هؤلاء إلى أن بن دغر عاد لاحقاً خلال مؤتمر الحوار الوطني للدفاع عن مشروع "الإقليم الشرقي" الذي يضم حضرموت وشبوة والمهرة وسقطرى، وهو ما اعتبره مؤيدوه امتداداً للرؤية نفسها التي طرحها قبل سنوات.

اليمن اليوم.. هل عادت الأسئلة القديمة؟

ويرى محللون أن أهمية إعادة نشر الوثيقة في هذا التوقيت لا ترتبط فقط بمضمونها التاريخي، بل بالسياق الراهن الذي يمر به اليمن.

فالبلاد تواجه تحديات مركبة تشمل الحرب والانقسام السياسي والأزمات الاقتصادية والأمنية، إضافة إلى ارتباط الملف اليمني بقضايا إقليمية ودولية تتعلق بأمن البحر الأحمر والممرات البحرية الدولية.

ويقول الكاتب السياسي ياسين التميمي إن النقاش حول شكل الدولة أصبح أكثر إلحاحاً اليوم من أي وقت مضى، لأن أي تسوية سياسية مستقبلية ستحتاج إلى معالجة العلاقة بين المركز والأقاليم وضمانات الشراكة الوطنية.

بين الماضي والمستقبل

ويرى متابعون أن إعادة إحياء وثيقة 2006 أعادت أيضاً إحياء سؤال ظل حاضراً في الحياة السياسية اليمنية لعقود: هل كانت الأزمة في فكرة الوحدة أم في طريقة إدارتها؟

وبينما تختلف المواقف السياسية حول الإجابة، يتفق كثيرون على أن الوثيقة تمثل واحدة من أبرز النصوص السياسية التي حاولت مبكراً قراءة التحديات البنيوية للدولة اليمنية، وطرحت رؤية ما تزال حاضرة في النقاشات الدائرة حول مستقبل البلاد.

وفي ظل استمرار الأزمة اليمنية وتعثر الحلول السياسية، يبدو أن الوثائق والأفكار التي كُتبت قبل سنوات تعود اليوم إلى الواجهة، ليس باعتبارها جزءاً من الأرشيف السياسي فحسب، بل بوصفها محاولات مبكرة لفهم أزمة ما زالت تبحث عن مخرج حتى الآن.

نص الرسالة رئيس مجلس الشورى أحمد عبيد بن دغر:

«الأخ/ د. ياسين سعيد نعمان، الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني المحترم

الأخ/ د. سيف صائل خالد نائب الأمين العام المحترم

الأخوة / الأمناء العامون المساعدون المحترمون

الأخوة / أعضاء المكتب السياسي والأمانة العامة المحترمون

تحية تقدير وبعد:

ألفت انتباهكم أيها الأخوة الأعزاء إلى أنني قد استبعدت من هذه الرسالة التي كنت قد وجهتها إليكم أثــناء اجتـــماع المكـتب السياسي فـــي 2006/5/24م الجانب المتعلق بالانتخابات، وأحداث اللحظة الراهنة، ثم أضفت إليها ما يقتضيه المقام، فهذا الوضع تتغير معطياته وتتلاحق أحداثه برغم الركود والهدوء النسبي الذي خيم على الحياة السياسية، وخاصة في جانبها المعارض، منذ أكثر من شهر مضى، إنني آمل أن تكون هذه الفترة قد منحتنا سلطة ومعارضة الوقت للتفكير في واقع الحال الذي يمضي بسرعة من سيئ إلى ما هو أسوأ، حيث تخيم على سماء البلاد، سحابة قاتمة، أرجو أن تنقشع قريباً، فنجد جميعاً مخرجاً لما نحن عليه في المعارضة، وما هم عليه في الحكم.

إن للأزمة الراهنة جذورها التي حملناها معنا منذ نوفمبر 1989م عندما اختارت قيادتا الشطرين، التوقيع على اتفاقية دستور الوحدة وما نتج عنه من قيام دولة اندماجية على أنقاض دولتي الشطرين. ولا شك أن ما حدث كان عظيماً حيث حققت وحدة الثاني والعشرين من مايو حلم اليمنيين الكبير فبدت مظاهر الفرح على الجميع وعاش اليمن أياماً - أياماً فقط - نشوة هذا النصر العظيم.

نعم إن الأزمة الوطنية والسياسية التي تطوقنا جميعاً إنما هي نتاج لذلك القرار المستعجل وغير المدروس والذي استبعد مشروعي الشطرين، الهادفين إلى إقامة دولة اتحادية يمنية... دولة فيدرالية، بين إقليمين كان يمكن لها أن تتحول إلى دولة فيدرالية بين أكثر من إقليمين، وكانت هذه المشاريع أكثر واقعية وموضوعية في قراءتها للواقع اليمني آنذاك. لذلك ظهرت سريعاً عيوب الاتفاق الوحدوي وظهرت الأزمة بين أطرافه، وعندما تفاقمت الأزمة صعوداً وحتى قيام الحرب، عاد الطرفان ومعهما كل ممثلي القوى الوطنية للحوار، وكانت النتيجة المنطقية لهذا الحوار أن أعطانا الوطنيون، كل الوطنيين في ذلك الوقت وثيقة «العهد والاتفاق». وهذه الوثيقة، أعادتنا مجدداً إلى رشدنا، حيث اعترف الجميع بعيوب النظام السياسي المركزي، وذهبوا بإرادة وطنية واعية نحو دولة اتحادية بنظام سياسي لا مركزي، ثم جاءت الحرب وحدث ما حدث. وتم تجاوز وثيقة العهد والاتفاق وكان ذلك خطأ استراتيجياً.

لقد استعاد الحزب بعد ذلك- أي بعد حرب نالت من كيانه وكادره وقدراته ومست الآلاف من أنصاره- بعضاً من عافيته لكنه في تقديري لم يتمكن من صياغة البرنامج السياسي المتماسك نظرياً، والمتصالح مع الواقع، واقع ما بعد الحرب، الذي يحقق له الثبات والتقدم ومخاطبة اليمنيين كل اليمنيين. ولم تكن نتائج المؤتمر الخامس بقادرة على القيام بعملية تصحيح للمواقف فقد وقعنا جميعاً في أخطاء، وتكررت هذه الأخطاء مع صياغة شعار الحزب الذي يختزل ويكثف برنامجه السياسي.. «من أجل الإصلاح الشامل للنظام السياسي، عبر إصلاح مسار الوحدة.... الخ». وكان الأمل أن يقوم هذا الشعار بإعادة صياغة الأهداف وأن يعمل على توحيدنا إلا أن تجربة الأشهر الماضية أكدت في الممارسة العملية أن هذا الشعار يمزقنا ويقسمنا في واقع الأمر، أنه عامل تفكيك وضعف، لا عامل توحيد وقوة. وسيكون من الخطأ الاستراتيجي الإبقاء على هذا البرنامج الذي يختزله هذا الشعار.

إن برنامج الحزب هو «رسالة إلى الناخب» وهذه الرسالة كما أظن ليست واضحة لأحد، فأهلنا في المحافظات الجنوبية والشرقية لا يدركون معنى لهذا الشعار، على نفس المستوى أو قريباً منه، كما يدركه سياسيو الحزب ومثقفوه. أما أهلنا في المحافظات الشمالية فقد فهموا هذا الشعار، وكأنه دعوة جديدة للانفصال، وهذا التفسير عمقته وسائل الإعلام الرسمية في الوعي الوطني، ويصعب إزالته بين يوم وليلة، كما يصعب على أي حزب مهما كان تاريخه النضالي، أن يخاطب وعي السبعة عشر مليوناً في المحافظات الشمالية بهكذا خطاب.. وهكذا برنامج. باختصار لقد اخترنا قبل الوحدة الطريق الخطأ، وتكرر هذا الخطأ بعد الوحدة وقد حان الوقت لتصحيح هذا الخطأ.

لذلك أدعوكم أيها الزملاء للتفكير جيداً في ما آلت وتؤول إليه الأمور في الممارسة اليومية سواء على الصعيد الحزبي أو على الصعيد الوطني السياسي. لقد تراجع.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة عدن الغد

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة عدن الغد

منذ 8 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ ساعة
منذ 8 ساعات
عدن تايم منذ ساعة
صحيفة عدن الغد منذ 3 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ 8 ساعات
المشهد العربي منذ 12 ساعة
صحيفة عدن الغد منذ 7 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ 5 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ 8 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ 10 ساعات