مرة أخرى، اختارت العربية عنواناً مستفزاً أثار موجة واسعة من الانتقادات، ليس لأنه قدم قراءة رياضية مختلفة، بل لأنه بدا وكأنه يبحث عن تفسير جاهز للتقليل من قيمة ما حققه المغرب خلال السنوات الأخيرة.
المثير في الأمر أن بعض العناوين تحاول اختزال مسار كامل من العمل والإنجازات في عامل واحد، متجاهلة حقائق يصعب القفز فوقها. فالمغرب لم يصنع سمعته الرياضية في مباراة واحدة، ولم يفرض اسمه قارياً ودولياً بضربة حظ، بل عبر مشروع متكامل راكم النجاحات في مختلف الفئات والمسابقات حتى أصبح رقماً صعباً في كرة القدم العالمية.
فإذا كان البعض يربط التعادل أمام البرازيل بأبناء المهجر، فإنه يتجاهل حقيقة لا تحتاج إلى كثير من الشرح. فهؤلاء ليسوا لاعبين مجنسين تم استقدامهم من خارج الهوية المغربية، بل هم مغاربة الأصل والجذور والانتماء، يحملون أسماء مغربية وينحدرون من أسر مغربية اختارت الهجرة لأسباب مختلفة. لقد اختاروا الدفاع عن قميص المغرب رغم امتلاكهم فرصاً أخرى، وبالتالي فإن الحديث عنهم وكأنهم عنصر دخيل على المنتخب المغربي ليس سوى محاولة للالتفاف على حقيقة واضحة: المغرب لم يستورد لاعبين، بل استعاد أبناءه.
وإذا كان هذا التفسير كافياً لدى البعض، فكيف يفسرون تتويج المغرب بكأس إفريقيا للمحليين التي لا يشارك فيها سوى اللاعب المحلي؟ وكيف يفسرون الفوز بكأس العرب؟ وكيف يفسرون النجاحات المتواصلة للمنتخبات المغربية في مختلف الفئات السنية والرجالية والنسوية؟ وهل كل هذه الإنجازات أيضاً نتيجة العامل نفسه أم أن هناك حقيقة أخرى يحاول البعض تجاهلها؟
لكن ما يزعج أكثر ليس التعادل مع البرازيل، بل ما يمثله المغرب اليوم من نموذج نجاح. فالمواطن في دول تجني مليارات الدولارات من النفط والغاز أصبح يطرح سؤالاً محرجاً: كيف نجح المغرب بينما تعثرت دول تملك ثروات هائلة وإمكانيات مالية ضخمة؟ كيف لبلد لا يملك حقول نفط عملاقة ولا احتياطيات غاز استثنائية أن يتحول إلى ورش مفتوح في البنيات التحتية والصناعة والرياضة والاستثمار وتنظيم التظاهرات الدولية؟
هنا يكمن جوهر الانزعاج الحقيقي. فنجاح المغرب لم يعد مجرد نتيجة رياضية أو لقب عابر، بل أصبح دليلاً على أن الإرادة والرؤية والتخطيط الجيد يمكن أن تصنع ما لا تصنعه الثروات وحدها. ولهذا أصبحت التجربة المغربية تفرض نفسها في كل مرة، وتدفع الكثيرين إلى طرح أسئلة محرجة حول أسباب تعثرهم بدل البحث عن أعذار تقلل من نجاح الآخرين.
المشكلة إذن ليست في مباراة أو عنوان أو تحليل رياضي، بل في واقع جديد فرض نفسه بقوة. واقع جعل المغرب حاضراً في النقاشات الكبرى بفضل ما حققه على الأرض، لا بفضل الشعارات أو الحملات الإعلامية. ولذلك لم يعد السؤال اليوم كيف تعادل المغرب مع البرازيل، بل كيف استطاع المغرب أن يفرض نفسه في ميادين متعددة وأن يتحول إلى قصة نجاح إقليمية ودولية رغم محدودية موارده الطبيعية.
وفي النهاية، يبقى الفرق واضحاً بين من يبني مكانته بالعمل والإنجازات والألقاب، ومن يكتفي بصناعة العناوين المثيرة. فالعناوين قد تصنع ضجيجاً مؤقتاً، أما الإنجازات الحقيقية فتصنع التاريخ، والتاريخ لا يكتبه أصحاب العناوين بل أصحاب النتائج.
هذا المحتوى مقدم من موقع بالواضح
