عمان ودمشق: اختبار لمسار إقليمي جديد

إيمان الفارس عمان - لا يبدو أن ما يجري بين الأردن وسورية مجرد تطور في العلاقات الثنائية، بقدر ما هو اختبار عملي لمسار إقليمي أوسع يعاد تشكيله بهدوء، يقوم على إعادة وصل ما انقطع بين دول الجوار وإعادة تعريف وظيفة الحدود من خطوط فصل إلى مسارات عبور للمصالح.

وفي هذا السياق، يصبح محتوى البيان الأردني السوري المشترك قبل أيام، انعكاساً لاتجاه عام أكثر من كونه حدثاً مستقلاً، حيث تتقدم مقاربة التعاون التدريجي على حساب إرث القطيعة السياسية الممتدة في المنطقة.

وشهدت العلاقات الأردنية السورية المشتركة خلال المرحلة الأخيرة، حراكاً مؤسسياً متصاعداً تجسد في سلسلة لقاءات رسمية رفيعة المستوى بين الجانبين، توجت أخيراً باجتماع موسع في دمشق، ضم وزراء ومسؤولين معنيين بقطاعات الاقتصاد والنقل والجمارك والمياه والطاقة والاستثمار.

ووفق مؤشرات خبراء في الشأن السياسي والإستراتيجي، أكدوا لـ"الغد"، أن هذا المسار يعكس تحولاً في فلسفة العلاقات الإقليمية ذاتها، من إدارة الأزمات السياسية إلى إدارة التداخلات الاقتصادية والأمنية والبيئية التي فرضتها الجغرافيا المشتركة.

وعلى المستوى الأوسع، استنتج المختصون، أن هذا المسار يشير إلى أن العلاقات بين دول الجوار لم تعد تدار بمنطق ثنائية سياسية تقليدية، بل ضمن شبكة مصالح متداخلة تتجاوز الخلافات الظرفية.

وبينوا أن التعاون الاقتصادي والأمني والطاقي والمائي، بات يشكل بنية تحتية غير مرئية للاستقرار الإقليمي، قادرة على امتصاص جزء كبير من تأثير الأزمات السياسية الممتدة، من دون أن تلغيها بالكامل.

وفي الوقت ذاته، نوّه الخبراء، إلى أن هذا المسار لا يقدم وعداً فورياً بتجاوز الأزمات، لكنه يفتح نافذة على نمط جديد من العلاقات الإقليمية يقوم على البراغماتية التدريجية وتراكم المصالح، حيث تتحول الملفات العملية إلى محركات لإعادة بناء الثقة بين الدول.

وهنا تكمن الدلالة الأهم، وهي أن الاستقرار في المنطقة لم يعد مشروعاً سياسياً فقط، بل أصبح نتيجة محتملة لتوسع دوائر التعاون في الأمن والمياه والطاقة والزراعة، بما يعيد رسم وظيفة الجغرافيا السياسية في المشرق العربي.

تحول إستراتيجي

وفي سياق الحديث عن كيفية قراءة البيان الأردني السوري المشترك ضمن التحولات الإقليمية الأوسع، ومدى قدرته على الإسهام في بناء نمط جديد من التعاون بين دول الجوار يتجاوز تداعيات الأزمات السياسية الممتدة، أكد الخبير الأمني والإستراتيجي د. بشير الدعجة، أن البيان يمثل جزءاً من تحول إستراتيجي أوسع تشهده المنطقة يقوم على تغليب المصالح المشتركة على منطق الصراعات والخلافات.

ودعا الدعجة إلى أهمية أن يقرأ البيان في إطار التحولات الإقليمية الأوسع التي تشهدها المنطقة، باعتباره جزءاً من مسار إستراتيجي يتجاوز حدود العلاقة الثنائية بين البلدين، ويعكس اتجاهاً متنامياً نحو إعادة تنشيط العلاقات بين دول الجوار على أساس المصالح المشتركة ومتطلبات الأمن والاستقرار والتنمية.

وقال إن عالم السياسة لا يعرف الفراغات الدائمة، فعندما تتراجع لغة الصراعات تتقدم لغة المصالح، وعندما تتآكل جدوى القطيعة تبدأ الدول بالبحث عن مساحات جديدة للتفاهم والتعاون، ومن هذه الزاوية تحديداً تبرز أهمية البيان الأردني السوري المشترك، ليس بوصفه حدثاً ثنائياً بين دولتين جارتين فحسب، وإنما باعتباره جزءاً من تحول إستراتيجي واسع يعيد رسم المشهد الإقليمي في المشرق العربي والشرق الأوسط بأكمله.

وأضاف أن المنطقة أمضت أكثر من 15 عاماً في دوامة من الحروب والأزمات والاستقطابات الحادة، دفعت خلالها ثمناً باهظاً على المستويات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية.

كما أن تقديرات العديد من المؤسسات الدولية تؤكد أن تكلفة النزاعات والصراعات في الشرق الأوسط خلال العقد الأخير تجاوزت عدة تريليونات من الدولارات، في الوقت الذي تراجعت فيه معدلات النمو والاستثمار، وارتفعت نسب البطالة والفقر والدين العام بصورة غير مسبوقة.

وبحسب الدعجة، فإن المنطقة تبدو اليوم وكأنها تقف أمام لحظة تاريخية فارقة، فإما الاستمرار في إدارة الأزمات المزمنة التي استنزفت مقدرات الدول والشعوب، وإما الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها بناء المصالح المشتركة وتعزيز الأمن الجماعي وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة، ومن هنا تكتسب الخطوة الأردنية السورية أهميتها الاستثنائية، باعتبارها انعكاساً لتحول أعمق من مجرد تحسين العلاقات الثنائية.

ورأى أن البيان المشترك يمثل اعترافاً ضمنياً بأن التحديات التي تواجه دول المنطقة، لم تعد سياسية فقط، بل أصبحت مرتبطة بمنظومة معقدة من المخاطر الأمنية والاقتصادية والبيئية والغذائية والمائية.

فالمخدرات لا تعترف بالحدود، والجريمة المنظمة لا تخضع لمفاهيم السيادة التقليدية، كما أن أزمات المياه والطاقة والتغير المناخي باتت تشكل تهديدات متصاعدة للأمن والاستقرار لا تقل خطورة عن كثير من النزاعات العسكرية التقليدية، وفق الدعجة.

وبين أن الحديث عن الأردن وسورية لا يقتصر على دولتين تربطهما حدود جغرافية مشتركة، بل يتعلق بعقدة إستراتيجية تشكل أحد أهم مفاتيح الاستقرار في المشرق العربي. فالحدود المشتركة الممتدة لأكثر من 375 كيلومتراً، إلى جانب الموقع الجغرافي الذي يربط الخليج العربي ببلاد الشام وتركيا وأوروبا، يجعل من العلاقة بين البلدين عاملاً مؤثراً في معادلات الأمن والاقتصاد والتجارة والنقل والطاقة على مستوى المنطقة بأسرها.

وأوضح أن الأردن كان من أكثر الدول تأثراً بتداعيات الأزمة السورية خلال السنوات الماضية، حيث تحمل أعباء إنسانية واقتصادية وأمنية كبيرة، واستقبل مئات الآلاف من اللاجئين السوريين، كما واجه تحديات متزايدة على حدوده الشمالية، الأمر الذي جعل استقرار سورية بالنسبة لعمان جزءاً أساسياً من مفهوم الأمن الوطني الأردني.

وفي هذا السياق، يبرز البعد الأمني باعتباره أحد أهم مرتكزات البيان المشترك، فخلال السنوات الأخيرة خاض الأردن معركة معقدة ضد شبكات تهريب المخدرات والأسلحة العابرة للحدود، وهي شبكات لم تعد تعمل بالأساليب التقليدية، بل أصبحت تمتلك تمويلاً ضخماً وتقنيات متطورة ووسائل لوجستية حديثة تشمل الطائرات المسيرة وأجهزة الاتصال المتقدمة وشبكات تهريب متعددة المسارات، بحسبه.

وشدد الدعجة على أن الوقائع أثبتت أن تجارة المخدرات لم تعد مجرد جريمة جنائية، وإنما تحولت إلى تهديد إستراتيجي يمس الأمن القومي للدول واستقرار المجتمعات؛ فالملايين من الحبوب المخدرة التي تم ضبطها خلال السنوات الماضية لم تكن تستهدف دولة بعينها، بل كانت جزءاً من شبكة إقليمية واسعة تستهدف المجتمعات والشباب والاقتصادات الوطنية.

ومن هنا، أشار إلى أن التعاون الأردني السوري في المجال الأمني لا يمثل مصلحة ثنائية فحسب، بل يشكل مصلحة إقليمية أوسع؛ لافتاً إلى أن كل ضربة ناجحة توجه إلى شبكات التهريب والجريمة المنظمة، تنعكس بصورة إيجابية على أمن المنطقة بأكملها، وتحد من قدرة تلك الشبكات على تمويل أنشطتها وتوسيع نفوذها.

كما أن هذا التعاون، وفق الدعجة، يشكل سداً منيعاً أمام عودة التنظيمات المتطرفة أو استغلال الجماعات الإجرامية للفراغات الأمنية الحدودية؛ موضحاً أن التجارب الدولية أثبتت أن الحدود غير المستقرة تشكل البيئة المثالية لنمو الإرهاب والجريمة المنظمة، في حين يؤدي التنسيق الأمني والاستخباري المشترك إلى تقليص هذه المخاطر إلى أدنى المستويات الممكنة.

الإجهاد المائي

وأكد الدعجة أن أهمية البيان لا تتوقف عند الأمن بمفهومه التقليدي، بل تمتد إلى مفهوم الأمن الشامل.

وأوضح أنه في ملف المياه، الذي يعد من أخطر الملفات الإستراتيجية في المنطقة، يصنف الأردن ضمن أكثر دول العالم فقراً بالمياه، بينما تواجه سورية تحديات متزايدة نتيجة التغير المناخي والجفاف وتراجع الموارد المائية.

وتحذر تقارير دولية من أن منطقة الشرق الأوسط ستكون من أكثر مناطق العالم تأثراً بالإجهاد المائي خلال العقود المقبلة، الأمر الذي يجعل أي تعاون أردني سوري في إدارة الموارد المائية المشتركة، أو حماية الأحواض المائية، أو تطوير مشاريع الحصاد والتخزين المائي، استثماراً مباشراً في الأمن الوطني للبلدين وفي استقرار المنطقة كلها.

أما في قطاع الطاقة، فرأى الدعجة أن الصورة لا تقل أهمية، في ظل تصاعد المنافسة العالمية على مصادر الطاقة ومساراتها؛ فالدول التي تمتلك القدرة على التحول إلى مراكز إقليمية للربط والنقل الطاقوي ستكون الأكثر قدرة على تعزيز مكانتها الاقتصادية والإستراتيجية.

وأشار إلى أن الأردن وسورية يمتلكان مقومات مهمة في هذا المجال، حيث طور الأردن خلال السنوات الماضية بنية تحتية متقدمة نسبياً في قطاع الكهرباء والطاقة المتجددة، بينما تشكل سورية ممراً جغرافياً حيوياً يربط الخليج العربي ببلاد الشام وشرق المتوسط.

وبالتالي فإن أي مشاريع مشتركة للربط الكهربائي أو نقل الطاقة أو تطوير البنية التحتية الإقليمية ستكون ذات أثر يتجاوز حدود البلدين ليشمل المنطقة بأسرها، وفق الدعجة.

وفي الجانب الزراعي، أكد الدعجة توفر فرصة إستراتيجية لا تقل أهمية عن بقية الملفات، خصوصاً في ظل التحولات العالمية المتسارعة التي جعلت الأمن الغذائي جزءاً أساسياً من الأمن القومي للدول، مبيناً أن الأزمات الدولية المتلاحقة كشفت هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، وأظهرت الحاجة إلى تعزيز الإنتاج المحلي والتكامل الإقليمي.

ومن هذا المنطلق، لفت إلى إمكانية أن يشكل التكامل الزراعي الأردني السوري نموذجاً ناجحاً في مجالات الإنتاج الزراعي والتكنولوجيا الزراعية والصناعات الغذائية والتسويق والتصدير، بما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي وخلق فرص اقتصادية جديدة للبلدين.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تابع الدعجة أن إعادة تنشيط العلاقات الأردنية السورية، تعني في جوهرها إعادة إحياء أحد أهم الممرات التجارية في الشرق الأوسط، منوهاً بأنه قبل الأزمة السورية، كانت آلاف الشاحنات تعبر سنوياً عبر الأراضي السورية والأردنية باتجاه دول الخليج وتركيا وأوروبا، وكانت هذه الحركة التجارية تمثل شرياناً اقتصادياً حيوياً لقطاعات النقل والخدمات اللوجستية والتجارة والاستثمار.

وأضاف أن المتغيرات التي تشهدها التجارة العالمية اليوم تعزز من أهمية الممرات البرية الآمنة والفعالة، حيث يبحث العالم عن طرق تجارية جديدة وأكثر استقراراً، وفي هذا السياق، تبدو منطقة الشرق الأوسط مرشحة لتكون أحد أهم محاور التجارة العالمية خلال العقود المقبلة إذا نجحت دولها في بناء بيئة مستقرة وآمنة للتعاون الاقتصادي.

واعتبر أن التقارب الأردني السوري لا يرتبط فقط بإعادة تنشيط التجارة.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 10 ساعات
منذ 12 ساعة
منذ 10 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 10 ساعات
التلفزيون الأردني منذ 12 ساعة
خبرني منذ 13 ساعة
خبرني منذ 11 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 4 ساعات
قناة رؤيا منذ 7 ساعات
قناة رؤيا منذ 11 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 6 ساعات