حين تدخل الأمة "زمن الطواسين" زمن سور: طه، الشعراء، النمل، القصص فإنها تدخل زمن "العلو المكسور، عصر يُكشف فيه الستار عن حقيقتين لا ثالث لهما: حقيقة من اختارت العلو مع الله، وحقيقة من اختارت العلو على الله.
إنه قلب "سنة السين"... زمن اسمه العلو المكسور: سمو لا يستقيم على خط واحد، بل هو عروج على سلم مكسور، نساء تصعد إلى السماء، ونساء تهوي إلى الأرض.
وفي هذا الزمن المصيري، لا تكون المرأة حدثا عابرا أو مجرد رقما في المعادلة، بل تكون هي السؤال، وهي المعادلة ذاتها، وهي الآية التي يقرأ بها حال الأمة ومصير البشرية.
فإما أن تكوني "آسية" إذ قالت بقلبٍ مطمئن: {رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} [التحريم: 11]، فإختارت السكن مع الله، فأعلى الله ذكرها فوق قصور فرعون، وإما أن تكوني "امرأة لوط" إذ خانت العهد من داخل البيت، فأهلكها التيه قبل أن يهلكها العذاب.
زمن الطواسين: سقوط الأقنعة
زمن الطواسين لا يعرف التردد ولا المنطقة الرمادية، هو زمن تسقط فيه الأقنعة وتعرى النوايا، ويضع كل امرأة أمام مرآة واحدة لا تنكسر، إما سجود الملائكة الذي يبدأ بالتسليم فينتهي بالرفعة، وإما استكبار إبليس الذي يبدأ بـ "أنا خير منه" فينتهي بالهبوط.
والفرق بين العلوين دقيق كالشعرة: علو الفطرة يقول: "أنا معك يا رب فكن معي".. بطيء موجوع، لكنه يليق بالسماء، وعلو الكبر يقول: "أنا أستحق أكثر".. سريع مبهر، لكنه يتلاشى كالدخان.
والنساء بحكمتها الفطرية هي الميزان، حين تسكن، يسكن العالم معها: {لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم: 21]، وحين تضطرب، يضطرب كل ما حولها.
وفي هذا المقال نقف على مفترق الطريق: نفك "زرعة إبليس" التي زرعت في قلب النساء منذ الأزل: "أنا أستحق أكثر"، ونعيد بناء "سجود آسية" التي علمتنا أن القوة الحقيقية ليست في الرفض، بل في الإختيار.
لذلك كان السؤال الذي يطرحه "زمن السين" على كل نساء العالمين اليوم في 2026 سؤالا مصيريا لا يحتمل التأجيل: أي علو تختارين وأنت تقرأين هذه السطور؟، علو الفطرة الذي يبدأ بالكسر لينتهي بالجبر؟ أم علو الوهم الذي يبدأ بالكبر لينتهي بالكسر؟.
درس البداية.. آدم وإبليس والملائكة
إذا أردنا أن نفهم أزمة النساء الحقيقية في زمن الطواسين، وخصوصا سنة السين في 2026، فعلينا العودة إلى المشهد الأول في كتاب التكوين. مشهد لم يكن فيه خيار ثالث ولا منطقة رمادية، أمر الله الملائكة وإبليس بالسجود لآدم، فإنقسم الوجود كله إلى طريقين:
طريق التسليم الذي يرفع، وطريق الإستكبار الذي يهبط.
أولا: الملائكة: علو بالتسليم
سجدت وهي أكرم خلق الله وأعلمهم، سجدت وهي تعلم أن آدم مخلوق من طين، وأنها خلقت من نور، لكنها لم تقارن، ولم تقس، ولم تقل "نحن نسبح بحمدك ونقدس لك فلماذا هو؟"، اكتفت بأن تسمع أمر الله فتطيع، فثبت مقامها في العلو إلى يوم الدين.
والدرس: العلو الحقي لا يبدأ بالمقارنة، بل بالتسليم.
ثانيا: إبليس: هبوط بالإستحقاق
قالها بمنطق العقل والقياس: {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 12]، طالب بالإستحقاق الذي توهمه، فهبط من الملأ الأعلى إلى الأرض، وصار "من المنظرين" يدور في دوامة اللعنة بلا خروج.
وهذا المشهد بعينه هو ما تعيشه نساء هذا الزمان وخصوصا في سنة "السين" 2026، حين تواجهين موقف "سجود" أي تسليم لفطرة العلاقة، أو رضا بحكمة الرجل، أو خضوع لحكم الله فإنك تقفين على نفس المفترق التاريخي، إما أن تختاري منطق الملائكة: "سمعت فسلمتُ لأمر الله"، فتعلين بمقام السكن والطمأنينة حتى لو أوجعكِ الكسر في البداية، وإما أن تختاري منطق إبليس: "أنا أفهم أكثر، أنا أستحق أكثر"، فتهبطين في دوامة المقارنات والخذلان حتى لو بدا ظاهريا قوة وإنجازا، والفرق بين العلوين ليس في الذكاء ولا في القوة، بل في الإتجاه:
علو الملائكة يبدأ بإنكسار "الأنا" لينتهي بجبر الله.
وعلو إبليس يبدأ بتضخيم "الأنا" لينتهي بكسرها.
وفي زمن الطواسين، لا وسط بين السجود والإستكبار.
إما أن تكوني مع من سجد فإرتفع، أو مع من أبى فسقط.
ما معنى السجود حقيقة؟
يا ابنة الأصول، يا من تقرأين كلامي..
أعلم أن كثيرا منكن حين سمعتن مني عبارة "السجود للرجل" انقبضت القلوب وأُغلقت الأبواب، وبكل تأكيد أعذركن على ذلك، فاللفظ ثقيل على من لم تفهم سره.
يا أختي الكريمة، إن كانت حيرتك كلها تدور حول كلمة "سجود"، فهلمي نقترب منها بهدوء الحكيمات وعين المبصرات وقلب الصادقات.
قال يوسف عليه السلام لأبيه يعقوب: {يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4].
فتأملي يا أختي الغالية..
هل نزلت الشمس والقمر والكواكب من مداراتها فسجدت على الأرض ليوسف؟ حاشا، إنما كان سجودها أن سخر الله كل فلكها، وكل نورها، وكل أثرها لخدمة يوسف وإتمام قدره وعلو مكانته، حتى إخوته الذين ألقوه في الجب كانوا بغير قصد ينفذون مشيئة الله في تمكينه، هذا هو السجود الذي نقصده.
وكذلك حين أمر الله ملائكته بالسجود لآدم، لم يكن سجود جباه على ترابٍ فقط، بل كان أمرا بتسخير كل وظائفهم وطاقاتهم لخدمة هذا الخليفة. وهذا عينه هو مقامك يا كريمة مع الرجل الذي اخترتِه سكنا لك.
أخاطبك اليوم كأخ يخاف على أخته، لا كواعظ يعلو عليك، وأوصيك يا ابنة الأصول بنقطة جوهرية لا بد أن تستقر في قلبك وروحك للأبد: والله ما أريد إلا أن أريك الطريق الذي رأيته ينجي، بعد أن رأيت كثيرات تهن في زمن الطواسين وسنة السين 2026.
اعلمي يا كريمة أن السجود الذي أقصده ليس ذلا، ولا ضعفا، ولا انتقاصا من قدرك أو شخصيتك أو احترامك وتقديرك أمام أي رجل، السجود الذي أحدثك عنه هو تاج العزيزات، هو القرار الذي تتخذينه حين تفهمين أن العلو الحقي لا يؤخذ بالقوة، بل يوهب بالتسليم.
السجود أن تقولي لربك بصدق: "يا رب، كل عقلي، وضاق فهمي، وتاه تدبيري.. فدبرني أنت يالله، فإني لا أُحسن التدبير".
المرأة والإمداد الإلهي: الرجل واسطة الأسماء
يا أختي الغالية، يا من تقرأين كلامي..
تأكدي أن أي تيه وأي اضطرابٍ تعيشه نساء الأرض، فإعلمي أن سببه رجل: إما رجل قصّر في حقها وظلمها، وإما رجل غائبٌ عن حياتها أصلا.
إن المرأة بلا رجل في حياتها أب يؤدب، أو أخ يحمي، أو زوج يسكن إليه، أو معلم يرشد ستظل في حيرة حقيقية وليس ذلك ضعفا فيها، حاشا، بل لأن الرجل هو الواسطة التي جعلها الله بين النساء وبين الإمداد الإلهي.
الله سبحانه علم آدم الأسماء كلها، وآدم يورث هذه الأسماء لمن يأتي بعده من الأنبياء والعلماء والرجال الراشدين، والمرأة بفطرتها تستقبل هذا الإمداد وتنميه وتثمره عبر رجل في حياتها.
ولذلك تجدين النساء اللواتي حرمن من مصدر الإمداد الصحيح يبحثن هنا وهناك، ويتعلمن كثيرا، ويتابعن كثيرين، ويفتشن عن شيءٍ في صدورهن لا يعرفن له اسما، وهذا ليس نقصا في عقولهن ولا في قيمتهن، كلا يا كريمة.. إنما هو لأن بئر الإمداد الواحد الصافي غائبٌ عنهن.
فإحفظي عني هذا القانون الإلهي:
الإمداد واحد لا يتعدد، والمرأة التي تشت قلبها بين مصادر إمداد كثيرة في آن واحد، هي بلا استثناء تائهة مشوشة، لا تستقر لها قدم، ولا يهدأ لها بال.
كيف تعمل "زرعة إبليس" في قلب المرأة؟
يا ابنة الأصول، يا من تقرأين كلامي..
بعد أن طرد إبليس من الملأ الأعلى مهزوما، لم يقصد آدم أولًا، بل انطلق مباشرة إلى حواء والنساء بعد الهبوط إلى الأرض، لأنه يعلم علم اليقين أن كسرها كسر لمنظومة الخلافة كلها على الأرض.
فماذا زرع فيها؟
لم يزرع شهوة، ولا حقدا، ولا كبرا صريحا..
إنما غرس بذرةً واحدة خبيثة: "أنا أستحق أكثر".
ومتى تسقى هذه البذرة وتنمو؟
تسقى في لحظة الكسرة يا كريمة.. لحظة يخذلها أب لم يحسن، أو يظلمها رجل لم يتق، أو يخونها قريب وثقت به، ففي تلك اللحظة ينفذ إبليس من الجرح، ويبدأ الوسوسة: "أنتِ أوعى منه.. أنت لا تحتاجين رجلا.. أنت قادرة وحدك.. لماذا ترضين بما لا يليق بكِ؟"
فشيئا فشيئا يا أختي الغالية، يتحول القلب من مكسور إلى رافض: رفض للرجل، ورفض للسكن، ورفض للفطرة التي جبلت عليها، وتبدأ النفس الأمارة بالسوء تقنع نفسها أنها صارت قوية، مستقلة، لا يلويها أحد..
لكن اسمعي من أخيك الحقيقة يا كريمة:
إنها لم تصر قوية، بل سقطت في دوامة لا قرار لها، دوامة تدورين فيها فتجدين نفس المشاكل في كل علاقة، ونفس طعم الخذلان، ونفس الوحشة رغم الزحام، قد تتعلمين، وقد تنجزين، وقد يحمل اسمك شهادات ومناصب.. لكن يبقى في داخلك فراغ أسود لا يملؤه شيء، لأن "أنا أستحق أكثر" التي زرعها إبليس، دواؤها الوحيد سجدة "ربي أنت حسبي وكفى".
فالسجود يا ابنة الأصول ليس ذلا، السجود أن تكوني أنت السماء التي تظل، والأرض التي تحمل، والسكينة التي يسكن إليها، فترتفعين معه كما يرتفع الغصن بالماء.
ما يصنعه السجود في روحك:
أولا- السجود يحررك من سجن "الأنا"
كل وجعك يبدأ حين تهمسين في داخلك: "أنا أفهم أكثر، أنا أقدر وحدي، أنا أستحق أكثر"، هذه كانت كلمة إبليس التي أهلكته: {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ} [الأعراف: 12]، فإذا سجدت، حطمت هذا الصنم، ووضعت جبهتك موضع العزة والعقل على التراب، معلنة: "يا رب، عزتي في خضوعي لك".
ثانيا- السجود يطفئ نار المقارنات
لماذا يتألم قلبك حين ترين غيرك؟ لأنك خرجت من دائرة القسمة الإلهية، ودخلت في متاهة "النار خير من الطين، والسجود يعيدك إلى بيتك الأول: بيت الرضا، فيهمس في روحك: إن الذي قسم الأرزاق هو أرحم بك من أمك وأبيك، فإطمئني. فقسمك هو خيرتك حتى وإن لم تبصري الحكمة بعد.
ثالثا- السجود مفتاح الجبر الحقي
يا ابنة الأصول، ما كسرته يداك لن تجبريه بيديك، كل محاولات السيطرة والإثبات والإقناع ما هي إلا مسكنات، أما الجبر الحقي فيبدأ بعد السجدة، فما إنكسر لله، تولى الله جبره بكرمه: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: 216].
انظري إلى آسية.. امرأة مثلك تماما، لم ترزق زوجا رحيما، ولا ولدا يؤنسها، ولا أمانا يحميها، كان قصرها سجنا، وزوجها فرعونا، ومع ذلك اختارت سجدة واحدةً صادقة: {رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} [التحريم: 11]، فسجدت في ضيق الدنيا، فوسع الله لها قصرا في جنة عرضها السماوات والأرض.
أرأيت يا كريمة؟
العلو الذي تبحثين عنه لن تجديه في أن تكوني "الأقوى"، ستجدينه في اللحظة التي تكونين فيها "الأضعف" بين يدي من خلقك لا خلقه، فالتي تسجد.. هي التي ستجتاز زمن الطواسين بسلام ورفعة، والتي تأبى وتقول "أنا خير منه"، ستظل واقفة في مكانها،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الفجر
