يروي أحدُ الأصدقاء، أنَّه عمل في بداية حياته الوظيفيَّة مع مديرٍ (طيِّب)، يتمتَّع بقلبٍ كبيرٍ، وعاطفةٍ أكبرَ.. وصادف وجودُه وجودَ موظًّفٍ ذي ذكاءٍ حادٍّ، لكنَّ ذكاءَهُ لم يكنْ في العمل، ولا في الإدارة، بل في استغلال هذا المدير، بما يمكن تسميته بـ(التسوُّل الوظيفيِّ)، حيث اكتشف هذا الموظَّف مبكِّرًا نقطة الضَّعف في النظام كلِّه، وهي هذا المدير (العاطفي)، فكان يعرفُ متى يُسمِعه قصائد الشَّكوى والتَّذمُّر، ومتى يعرض له أفلامَ حياتِه القاسية.. ومتى ما شعر أنَّ رصيده العاطفي بدأ ينخفض، (ألَّف) حكايةً أُخْرى أكثر دراماتيكيَّة من حكايات ألف ليلة وليلة.. والمُضحك أنَّ المدير الطيِّب، يبتلعُ الطُّعم في كل مرَّة!. شيئًا فشيئًا بدأت الامتيازات تتدفَّق، تكليف هنا، وإشادة هناك، ثمَّ ترقية، ثمَّ صلاحيَّات إضافيَّة، إلى أنْ انتهت الحكاية، كما تنتهي كثيرٌ من الأفلام العربيَّة بوصول هذا المتسوِّل إلى أنْ يصبح مساعدًا للمدير، والرَّجل الأوَّل في المنظَّمة.
ويضيف صديقي: ولأنَّني كنتُ أعرفُ مستوى أدائه الحقيقي، لم يكن السؤال الذي يشغلني: كيف نجحَ هذا الموظَّف؟ بل كيف نجح هذا (الأسلوبُ) في اختراق إدارة من المفترض أنَّها مدركة وواعية؟، والإجابة المؤلمة أنَّ (التسوُّل الوظيفي) لا ينجح بسبب (مهارة) المتسوِّل وحدها، بل الأهم وجود بيئة إداريَّة (مهلهلة) تسمحُ له بالنَّجاح.. فالمتسوِّلُ وظيفيًّا ليس بالضرورة أنْ يكون أكثر الموظَّفين ذكاءً، لكنَّه غالبًا ما يكون أكثرَهم قدرةً على قراءة ثغرات المؤسَّسة واستغلالها.. وأكثرهم استعدادًا لاستثمار نقاط ضعف الآخرين.
حين تُدار المؤسَّسات بالعاطفة أكثر من المعايير، وبالانطباعات الشخصيَّة أكثر من الأرقام، وبالمشاعر أكثر من الأداء، يتحوَّل الإنجازُ من هدفٍ رئيسٍ، إلى مجرَّد خيار إضافيٍّ يمكن التغاضي عنه، وتصبح (الشحاذة) الوظيفيَّة طريقًا مختصرًا نحو المكاسب الشخصيَّة، والترقيات والمناصب؛ ممَّا يؤكِّد أنَّ (التسوُّل الوظيفي) ليس مشكلة أفراد، بقدر ما.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة المدينة
