عبدالواحد محفوظ - الدمام
في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتندر فيه المواقف الإنسانية الاستثنائية، تبرز قصص تمنح الأمل وتؤكد أن العطاء لا حدود له؛ ومن داخل أروقة مستشفى الملك فهد التخصصي بالدمام، سطّرت الممرضة فتحية مفرح عسيري واحدة من أجمل صور الإيثار والتضحية، حين اتخذت قرارًا شجاعًا بالتبرع بجزء من كبدها لطفل كان يصارع المرض وينتظر فرصة جديدة للحياة.
هذه التجربة لم تكن مجرد إجراء طبي ناجح، بل رحلة إنسانية عميقة غيّرت حياة المتبرعة والطفل معًا، ورسخت لديها قناعة بأن إنقاذ الأرواح واجب إنساني ورسالة سامية.
في هذا الحوار الخاص، تروي فتحية عسيري تفاصيل رحلتها مع التبرع بالأعضاء، وما حملته من مشاعر وتحديات ولحظات مؤثرة لا تُنسى.
في البداية، عرفينا بنفسك؟
أنا فتحية مفرح عسيري، أعمل ممرضة في قسم تنويم الأطفال بمستشفى الملك فهد التخصصي بالدمام، وقد أجريت عملية التبرع بجزء من الكبد في شهر سبتمبر من عام 2021م.
ما الدافع الإنساني الذي قادك لاتخاذ قرار التبرع بجزء من كبدك لإنقاذ طفل؟
في الحقيقة لم أكن أعلم سابقًا أن الإنسان الحي يستطيع التبرع بأحد أعضائه، وخلال الفترة التي سبقت توظيفي كنت متطوعة في جمعية إيثار للتبرع بالأعضاء، وسجلت اسمي للتبرع بأعضائي بعد الوفاة.
لكن بعد عملي في قسم الأطفال ومشاهدتي اليومية لمعاناة مرضى الفشل الكبدي والكلوي، ومعرفة أن كثيرًا من الأهالي لا يستطيعون التبرع لأبنائهم بسبب عدم المطابقة الطبية، بدأت أفكر جديًا في الأمر، فسجلت اسمي كمتبرعة، خاصة بعدما رأيت حجم الانتظار والمعاناة التي يعيشها الأطفال وأسرهم بحثًا عن متبرع مناسب.
كيف كانت اللحظة الأولى عندما علمتِ بحاجة الطفل إلى زراعة كبد؟
من أكثر المشاهد التي كانت تؤلمني أن ترى بريق الأمل يضيء في عيون الأهل عند العثور على متبرع، ثم يتراجع ذلك المتبرع لأي سبب كان، وهو حق مشروع له بالطبع.
وعندما علمت أنني سأكون المتبرعة لهذا الطفل تحديدًا، غمرتني سعادة لا توصف، وشعرت وكأن الكون كله توقف فرحًا في تلك اللحظة.
هل ساهم عملكِ الصحي في تعزيز قناعتكِ بأهمية التبرع بالأعضاء؟
بالتأكيد وبشكل كبير جدًا.. عملي مع مرضى الفشل الكبدي والكلوي جعلني أرى التفاصيل كاملة، وأتابع الحالات قبل الزراعة وبعدها، وأشاهد التحولات الكبيرة التي تحدث في حياة المرضى، كما كنت أشارك في تنسيق الفحوصات اللازمة لهم، مما زاد قناعتي بأهمية التبرع ودوره في إنقاذ الأرواح.
كيف كان موقف عائلتك والمقربين منكِ عندما اتخذتِ القرار؟
استشرت زوجي وأطفالي قبل اتخاذ القرار، والحمد لله كانوا داعمين ومشجعين لي، رغم وجود بعض الخوف الطبيعي عليهم وعليّ، لكن دعمهم كان مصدر قوة كبيرة خلال الرحلة.
ما أبرز التحديات التي واجهتكِ قبل العملية؟
كانت جائحة كورونا أكبر التحديات، حيث تم إيقاف التبرع من خارج نطاق العائلة لفترة قاربت العامين، وكان الانتظار صعبًا جدًا بالنسبة لي وللمرضى الذين يحتاجون إلى زراعة الأعضاء.
كيف جرت مراحل الفحوصات والتجهيز الطبي؟
الفحوصات كانت دقيقة وشاملة، واستغرقت نحو أسبوع كامل، وتضمنت تحاليل مخبرية وتصويرًا طبيًا متنوعًا، لكنها لم تكن مرهقة أو متعبة كما قد يعتقد البعض.
ماذا شعرتِ بعد نجاح العملية ورؤية الطفل يستعيد صحته؟
من أجمل الأقدار أن يكون سريري في العناية المركزة بجوار سرير الطفل، رؤيتي له بعد العملية كانت دافعًا جعلني أنهض وأسير إليه بعد ساعتين فقط من خروجي من الجراحة، فقط لأطمئن عليه وأسترق النظر إليه.
في ذلك الوقت لم أكن أرغب أن يعلم والداه أنني المتبرعة، لذلك بقي الأمر سرًا بالنسبة لهما.
هل هناك مواقف إنسانية مؤثرة عشتِها مع الطفل أو أسرته؟
لم يتم إخبار الأسرة بهويتي كمتبرعة إلا بعد خروج الطفل من المستشفى وعودته إلى المنزل، وحتى اليوم ما زلت أسأل أطباءه عنه في مواعيده الدورية للاطمئنان عليه، والحمد لله أصبح الآن في الخامسة من عمره ويتمتع بصحة جيدة.
كيف ترين دور الكوادر الصحية في نشر ثقافة التبرع بالأعضاء؟
أعتقد أن مستوى الوعي لا يزال بحاجة إلى المزيد من الجهود، فهناك أشخاص كثيرون ينظرون إلى التبرع بالأعضاء على أنه أمر شديد الخطورة.
لذلك أرى أن تخصيص أيام وطنية وسنوية للتوعية ونشر القصص الواقعية الناجحة سيسهم بشكل كبير في رفع مستوى الوعي المجتمعي.
ما الرسالة التي تودين توجيهها للمجتمع حول أهمية التبرع بالأعضاء؟
نحن نعيش في دولة متقدمة تمتلك منظومة صحية متطورة وخدمات طبية عالية المستوى؛ جميع السبل متاحة أمام الإنسان ليصنع أثرًا عظيمًا وينقذ روحًا أنهكها المرض، ويزرع خيرًا يبقى له أجره وأثره في الدنيا والآخرة.
هل تعتقدين أن قصتكِ ستشجع الآخرين على خوض التجربة؟
لا أعتقد ذلك فحسب، بل أجزم به.. فقد تقدّم عدد من زملائي في العمل للتسجيل كمتبرعين بعد معرفتهم بتجربتي، كما أن إحدى صديقاتي سجلت اسمها بالفعل وتبرعت لطفلة أخرى كانت ترقد في القسم نفسه.
كيف أثرت هذه التجربة على حياتك الشخصية والمهنية؟
أثر الإحسان ما زال يحيط بي حتى اليوم؛ تغيرت حياتي بالكامل نحو الأفضل، وأصبحت نظرتي للحياة أكثر جمالًا وعمقًا، وأصبحت أقدّر قيمة العطاء بشكل أكبر من أي وقت مضى.
ما الدور الذي لعبه الفريق الطبي خلال الرحلة؟
كان الدعم الطبي والإنساني حاضرًا في كل خطوة؛ أكثر ما ميّز الفريق الطبي هو الشفافية والوضوح الكامل في الإجابة عن جميع تساؤلاتي ومخاوفي، إضافة إلى وقوفهم معي قبل العملية وخلالها وبعدها، وهو جهد أقدّره لهم ولجميع العاملين في برامج التبرع بالأعضاء.
كيف تصفين الجانب الإنساني داخل مستشفى الملك فهد التخصصي بالدمام؟
هناك حرص كبير على سلامة المتبرع والمستفيد على حد سواء؛ فقد خضعت لعدة مقابلات مع مختصين من مختلف المجالات لتقييم القرار من جميع الجوانب النفسية والاجتماعية والسلوكية والأخلاقية والصحية، بما يضمن اتخاذ القرار عن قناعة كاملة.
ما النصيحة التي تقدمينها لمن يفكر في التبرع بالأعضاء لكنه متردد؟
التردد أمر طبيعي جدًا، وغالبًا ما يكون سببه غياب المعلومات الكافية، أنصح كل من يفكر في التبرع أن يبحث عن إجابات لكل تساؤلاته، وأن يستخير الله سبحانه وتعالى، ثم يبدأ بخطواته بثقة، وسيجد الطمأنينة ترافقه في الطريق.
بعد هذه التجربة، كيف أصبح مفهوم إنقاذ الحياة بالنسبة لكِ؟
أصبحت أرى أن إنقاذ الحياة واجب إنساني وليس إنجازًا شخصيًا؛ وأشعر اليوم أن من واجبي أيضًا نقل هذه التجربة وتعريف الآخرين بها، حتى يدركوا حجم الأثر الذي يمكن أن يصنعه قرار واحد في حياة إنسان.
وأخيرًا.. ماذا تقولين للطفل الذي تبرعتِ له بعد أن تعافى؟
أحسبك من أعظم أنواع الرزق التي وضعها الله في طريقي، لقد تبرعت لك بجزء بسيط من كبدي، لكنك في المقابل أهديتني لذة الحياة وجمال الشعور وعظيم الأجر.
لقد أحسنت إليّ أكثر مما أحسنت إليك، وسأظل أدعو لك ما دامت أنفاسي مستمرة.
وأستحضر دائمًا مقولة جلال الدين الرومي: حين تنقذ روحًا، لا تظن أنك منحتها الحياة، بل لعلها جاءت لتنقذ شيئًا عميقًا فيك .
وأعتقد أنني فعلت ذلك بالفعل.
هذا المحتوى مقدم من خليج الديرة





