اتفاق بطعم الهزيمة.. للولايات المتحدة

(فازت إيران منازع وخسرت الولايات المتحدة وإسرائيل)، بهذه العبارة، انطلقت انتقادات وسائل الإعلام العبرية، للاتفاق التي توصلت إليه واشنطن مع طهران، والمُزمع توقيعه رسميًا في جنيف بسويسرا، يوم الجمعة القادم.. بما يبرهن أن إيران كانت أكثر استيعابًا لمضمون كتاب (فن الصفقة) وأكثر قدرة على تنفيذ ما جاء به أكثر من مؤلفه، الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، للدرجة التي دفعت هيئة التحرير بصحيفة (نيويورك تايمز)، إلى كتابة مقال قاسيًا، يوم الإثنين الماضي، أشارت فيه صراحة إلى أن (الرئيس ترامب خسر هذه الحرب).

قالت هيئة تحرير الصحيفة، إن الاتفاق الأولي الذي ينهي حرب الرئيس ترامب، التي استمرت أربعة أشهر مع إيران مرحبٌ، به لكنه يجلب معه حقائق صعبة.. ارتكب ترامب خطأ فادحًا ببدء هذه الحرب.. لقد أقدم عليها بتهور، وفي تحد علني للقانون.. الولايات المتحدة تخرج أضعف ـ عسكريًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا ـ وستدفع تكاليف استراتيجية لسنوات قادمة.. نعم، تفاصيل الاتفاق غير واضحة، لكن الإطار المعلن يشير إلى أن ترامب فاز بقليل من الشروط التي أصر على أنه سيحصل عليها.. إنها هبوط مُهين له ولأمته التي يقودها.

منذ بداية الحرب، قال إن الولايات المتحدة ستحقق (نصرًا كاملًا وشاملًا)، وأن إيران يجب أن توافق على (الاستسلام غير المشروط)، واقترح أن يحدث تغيير في النظام.. وقال إن إيران لن يسمح لها بـ (تخصيب اليورانيوم)، وأن (الولايات المتحدة، بالتعاون مع إيران، ستحفر وتزيل كل المواد النووية المدفونة بعمق).. ولا يبدو أن أيًا من هذا صحيح، ولا تزال الحكومة الإيرانية المتشددة قائمة.. يبدو أن تفاصيل الاتفاق النووي سيتم التفاوض عليها خلال الشهرين القادمين، لكن الشروط تبدو على الأرجح مشابهة لاتفاقية 2015، التي تفاوض عليها الرئيس باراك أوباما وألغاها ترامب في 2018.. وصف اتفاق أوباما بأنه (أسوأ اتفاق على الإطلاق)، وقال إنه وضع إيران على (الطريق نحو سلاح نووي)، وانتقدها لفشلها في إجبار إيران على التوقف عن دعم الجماعات الإرهابية مثل حماس وحزب الله وتخفيف العقوبات الاقتصادية.. ومع ذلك، يبدو أن حرب ترامب المدمرة ستتركه مع صفقة مماثلة.

أكبر إنجاز له في إطار وقف إطلاق النار، هو إعادة فتح مضيق هرمز المتوقع أمام حركة الشحن العالمية، مما سيؤدي في النهاية إلى خفض أسعار الطاقة والسلع الأخرى.. هذا، بالطبع، مجرد عودة إلى الوضع الراهن قبل الحرب.. أغلقت إيران المضيق ردًا على هذه الحرب، لإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي وزيادة الضغط السياسي على الولايات المتحدة.. نجحت الخطوة، ويدرك قادة إيران الآن أنهم يحملون سلاحًا اقتصاديًا قويًا.. وبشكل عام، تخرج إيران كفائزة استراتيجية في الحرب التي استمرت أربعة أشهر.. تكبدت خسائر كبيرة، بما في ذلك الكثير من البحرية والقوات الجوية وقدراتها العسكرية الصناعية وقيادتها السياسية، بما في ذلك آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى، الذي قتل في اليوم الأول من الحرب.. ومع نهاية الحرب، يمكن لقيادة إيران أن تبدأ في إعادة البناء.

أما الولايات المتحدة، فتبدو أضعف في أعين العالم.. أظهر الجيش الأمريكي عدم قدرته على سحق خصم أصغر بكثير، حتى مع استهدافه للعديد من صواريخه الدقيقة بعيدة المدى وطائرات الاعتراض الدقيقة.. النتيجة تضر بقدرة هذا البلد على ردع خصوم محتملين آخرين.. لبدء إصلاح الأضرار، سيكون من الحكمة للولايات المتحدة، إصلاح التحالفات في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا التي تضررت بسبب الآثار العسكرية والاقتصادية للحرب.. سيحتاج البنتاجون أيضًا إلى التحديث والاستعداد لحروب المستقبل.. من غير المرجح أن يحدث أي منهما تحت رئاسة ترامب.

قبل بدء الهجوم الأمريكي والإسرائيلي في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، كانت قيادة إيران قد عانت من عامين ونصف بائسين.. كانت الحكومة أضعف بكثير مما كانت عليه قبل هجوم حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، والذي كانت إيران تموله وتقدم له المشورة منذ زمن طويل.. ردًا على ذلك الهجوم، قللت إسرائيل بشكل كبير من حماس وحزب الله، وهي جماعات وكيلة إيرانية.. في سوريا، سقط النظام المدعوم من إيران، بينما لم يفعل قادة طهران الكثير لإنقاذه.. كشفت إسرائيل والولايات المتحدة عن برنامج الدفاعات الجوية والصواريخ الإيراني، كأنهم نمور ورقية عندما قصفتا المواقع النووية الإيرانية الصيف الماضي، مما أضعف برنامجها.. وفي الوقت نفسه، استمرت عملة إيران في الانهيار، وكانت اقتصادها في حالة خراب.. ابتداء من أواخر العام الماضي، خرج الإيرانيون إلى الشوارع للاحتجاج، ورد النظام بقتل آلاف، إن لم يكن عشرات الآلاف.

كل هذه المشاكل لا تزال قائمة، وإيران لا تزال أضعف مما كانت عليه قبل ثلاث سنوات.. لكن الحرب منحتها نفوذًا لم تكن تملكه عند بداية عام 2026.. لقد أثبت نظامها أنه قادر على النجاة من موجات الهجمات من أكبر عدوين له.. لم يضطر قادتها إلى التخلي عن طموحاتهم النووية. وقد علموا أن بقية العالم يبدو غير مستعد لاستخدام القوة العسكرية لإعادة فتح مضيق هرمز.. إذا اختارت إيران إغلاق المضيق في وقت ما خلال الأشهر أو السنوات القادمة، ماذا سيفعل ترامب ردًا على ذلك؟.. تاريخ الحروب الأمريكية الحديثة، خصوصًا في منطقة إيران، مليء بالغرور الذي أدى إلى هزيمة مميزة.. ومع ذلك، تجنب ترامب التخطيط المدروس في كل خطوة.

قبل التقييم الوردي لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي توقع أن النظام الإيراني سيسقط بسرعة.. رفض ترامب آراء مساعديه، الذين قالوا له إن توقعات نتنياهو كانت هزلية.. تجاهل ترامب الدستور الأمريكي، ورفض الحصول على موافقة الكونجرس على الحرب.. لم يستمع إلى الحلفاء الأوروبيين والآسيويين الذين عارضوا حربه.. فشل في التخطيط لقدرة إيران الواضحة على إغلاق مضيق هرمز.. كان يوجه تهديدات بتدمير الحضارة الإيرانية، لكنها لم تنجح إلا في تقليل المكانة الأخلاقية لأمريكا.. وترى الصحيفة في خطايا ترامب، أنه وافق الآن على إطار سلام يفهمه العالم بأسره، أنه هزيمة له.. وهو انتكاسة لأمريكا أيضًا.

***

في تسريب لموقع أكسيوس الأمريكي، وقناة N 12 العبرية، نشر الصحفي القريب من المخابرات الأمريكية، باراك رافيد، أن نشرت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، تضمنت اثنتا عشر بندًا، أهمها، أن إيران والولايات المتحدة وحلفاؤهما ستوقفون الأعمال العدائية، بما في ذلك في لبنان.. تؤكد إيران مجددًا التزامها بعدم تطوير أو حيازة أسلحة نووية.. تلتزم الولايات المتحدة وإيران بحل مسألة التخلص من مخزون اليورانيوم المخصب.. ستناقش الولايات المتحدة وإيران مسألة التخصيب واحتياجات إيران النووية.. ستحافظ إيران على الوضع الراهن في برنامجها النووي، طالما استمرت المفاوضات.. سترفع الولايات المتحدة الحصار البحري، ولن تفرض عقوبات جديدة، ولن تزيد قواتها في المنطقة خلال المفاوضات.. ستتخذ إيران الترتيبات اللازمة لضمان المرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز، مجانًا، لمدة ستين يومًا.. تلتزم الولايات المتحدة بإتاحة الأصول الإيرانية المجمدة لاستخدامها في تنفيذ مذكرة التفاهم.. في حال التوصل إلى اتفاق نهائي، ستسحب الولايات المتحدة قواتها في غضون ثلاثين يومًا، وترفع جميع العقوبات المفروضة على إيران.. سيتضمن أي اتفاق نهائي خطة لإنشاء صندوق بقيمة ثلاثمائة مليار دولار لإعادة إعمار إيران.. ستمنح الولايات المتحدة إيران إعفاءً مؤقتًا من العقوبات المفروضة على مبيعات النفط خلال فترة المفاوضات.. ستُعقد مفاوضات بين إيران وسلطنة عُمان بمشاركة دول الخليج لتحديد (الترتيبات المتعلقة بالشحن والخدمات البحرية).

هذه البنود أثارت حفيظة العديد من الجهات، في الولايات المتحدة وإسرائيل، حتى مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، الذي خاطب ترامب، بأن الاستخبارات الأمريكية تشكك في نوايا إيران في مفاوضات الاتفاق النووي، وأن طهران لا تنوي تقديم تنازلات في هذا الاتفاق.. فقد أبلغ جون راتكليف، مدير وكالة المخابرات المركزية، الرئيس ترامب ومسئولين كبار آخرين في الإدارة، أن المعلومات التي جمعتها العديد من وكالات الاستخبارات الأمريكية، تثير شكوكًا جدية حول استعداد إيران لتقديم التنازلات التي تسعى إليها الولايات المتحدة في اتفاق نووي نهائي بين البلدين.. وراتكليف ليس المتشكك الوحيد في الفريق القيادي لترامب.. فقد أعرب وزير الخارجية، ماركو روبيو، ووزير الدفاع، بيت هجسيث، عن مخاوفهما، وأثارا تساؤلات حول الاتفاقية في مناقشات داخلية.. وفي المقابل، أيده نائب الرئيس، جي دي فانس، والمبعوثان الأمريكيان، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.

خلف الكواليس.. عُقدت الأسبوع الماضي، سلسلة من الاجتماعات رفيعة المستوى بشأن الاتفاقية.. وخلال تلك الاجتماعات، ناقش ترامب وفريقه المعلومات الاستخباراتية التي جمعتها عدة وكالات استخباراتية.. وقد أظهرت المعلومات الاستخباراتية، أن الطريقة التي ناقش بها المسئولون الإيرانيون الاتفاق فيما بينهم، كانت غير متسقة مع ما قالوه للوسطاء والولايات المتحدة.. وقال راتكليف وروبيو إنهما، استنادًا إلى نفس المعلومات الاستخباراتية، يشككان في أن الإيرانيين سيوافقون على اتخاذ الخطوات النووية التي تطالب بها الولايات المتحدة.. إلا أن مسئولًا في البيت الأبيض قال، (لن يوافق الرئيس إلا على اتفاق يكون في مصلحة الشعب الأمريكي، وستضمن كل من مذكرة التفاهم هذه والاتفاق النهائي، أمن وسلامة الولايات المتحدة على المدى القصير والطويل).. وإن البنود النووية الواردة في مذكرة التفاهم الموقعة يوم الأحد، مشروطة بتوصل الأطراف إلى اتفاق نووي أكثر تفصيلًا خلال الستين يومًا القادمة، وأن واشنطن وطهران التزمتا (بحل مسألة مخزون المواد المخصبة) و(مناقشة مسألة التخصيب المستقبلي، وغيرها من القضايا المتفق عليها بشكل متبادل والمتعلقة باحتياجات إيران النووية، وذلك بناءً على إطار عمل متفق عليه سيتم تحديده في الاتفاق النهائي).

وتزعم العناصر داخل الإدارة الأمريكية، التي تعارض الاتفاق، أنه لا يُتوقع أن توقع إيران اتفاقًا نوويًا بالشروط التي تريدها الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه، ستستفيد إيران من الولايات المتحدة أكثر مما ستستفيد من مذكرة التفاهم، لكن، جميع الفوائد التي ستعود على إيران تعتمد على اتخاذ خطوات مهمة من جانبها، وأن الولايات المتحدة ستعرف، في غضون أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، ما إذا كانت إيران جادة بشأن التنازلات النووية.. وإذا لم تكن كذلك، فقد تتعثر العملية دون أن تحقق إيران مكاسب تُذكر.

ويشعر السيناتور الجمهوري، ليندسي جراهام، (ببعض القلق، من أن الفهم الإيراني للاتفاق يبدو مختلفًا عما يدعيه فريق التفاوض الأمريكي)، داعيًا إلى الإفراج الفوري عن وثيقة الاتفاق.. ففي حين أن الجوانب النووية تخضع للمفاوضات، فإن مذكرة التفاهم تدعو إلى إعادة فتح مضيق هرمز في المدى القريب.. وتنص مذكرة التفاهم على أن (إيران ستتخذ الترتيبات، ببذل قصارى جهدها، لضمان المرور الآمن للسفن التجارية دون فرض رسوم لمدة ستين يومًا)، بينما سترفع الولايات المتحدة حصارها تدريجيًا، بحيث يتم رفعه بالكامل في غضون ثلاثين يومًا، وتنص المذكرة على أن إيران ستجري حوارًا مع سلطنة عمان (لتحديد النظام المستقبلي والخدمات البحرية) في المضيق، بمشاركة دول خليجية أخرى في الحوار، للتوصل إلى حل (يتفق مع القانون الدولي والحقوق السيادية) لدول المنطقة.. بينما ذكرت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية، أن إيران ستتمكن من تحصيل رسوم العبور بعد انتهاء فترة الستين يومًا.. لذا، تترك مذكرة التفاهم مجالًا واسعًا للتفسير، حيث تنص على أن الولايات المتحدة (تلتزم بجعل الأموال الإيرانية المُجمدة متاحة بالكامل للاستخدام.. عند تنفيذ مذكرة التفاهم).. بمعنى، أن ذلك يمثل نموذج (الدفع مقابل الأداء).. إذا رأت الولايات المتحدة (مبادرات) إيجابية من إيران، فقد تفرج عن بعض أموالها في المقابل.. وتنص مذكرة التفاهم أيضًا، على أن أي اتفاق نهائي سيتضمن (خطة نهائية ومتفق عليها بشكل متبادل) لإنشاء صندوق بقيمة ثلاثمائة مليار دولار، من أجل (إعادة التأهيل والتنمية الاقتصادية) لإيران، بالإضافة إلى آلية لتنفيذها.. يزعم مؤيدو الاتفاق، أن هذه مبادرة طويلة الأمد، لا يمكن تحقيقها إلا إذا قامت إيران بتفكيك برنامجها النووي، وأجرت إصلاحات داخلية كبيرة.

***

عن هذا الصندوق، قال مصدر مطلع على الاتفاق لوكالة (رويترز)، إن صندوقًا خاصًا بقيمة ثلاثمائة مليار دولار مُصمم لتحفيز الاستثمار في إيران، منصوص عليه في الاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران، وقد تم بالفعل تخصيص أكثر من نصف هذا المبلغ.. ورغم أن خطة هذا الصندوق لم يتم الإعلان عنها بعد، في الوقت الذي تستعد فيه واشنطن وطهران للتوقيع يوم الجمعة، فإن الصندوق مصمم لمنح كلا الجانبين حافزًا اقتصاديًا لإبرام اتفاق نهائي لإنهاء الحرب.. وقد سبق الإبلاغ عن وجود الصندوق.. وتكشف رويترز لأول مرة، أن أكثر من نصف المبلغ قد تم تخصيصه بالفعل، وأنه سيتألف بالكامل من أموال القطاع الخاص!!.. وأن الصندوق الجديد، هو أداة استثمار خاصة، وليس برنامجًا لإعادة الإعمار أو التعويضات، ولن يشمل أي أموال أو منح حكومية أمريكية، بل إن شركات مقرها في الولايات المتحدة ودول الخليج العربي وآسيا وأمريكا الجنوبية وإفريقيا، وافقت على.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور المصرية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الدستور المصرية

منذ 9 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 8 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 10 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 21 ساعة
موقع صدى البلد منذ 6 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 18 ساعة
بوابة الأهرام منذ 14 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 10 ساعات
بوابة الأهرام منذ 15 ساعة
جريدة الشروق منذ 11 ساعة
بوابة الأهرام منذ 15 ساعة