د. أسامة السعيد يكتب: صـوت العقل فى زمـن الجنون

هذه مصر لمن يريد أن يفهم ويعى، لماذا كانت حاضرة على طاولة «السبع الكبار»، ولماذا حجزت تلك الدول - التى لا تعرف المجاملة ولا تحترم سوى الأقوياء - لمصر مكاناً فى إيفيان؟

كانت مصر دائمًا - وستبقى- صاحبة الصوت العاقل والفعل الحكيم، الذى لا ينجرف وراء ممارسة لعبة السياسة الدولية «بالقطعة»، فالقاهرة لا ترسم مواقفها وفق تحولات عناوين نشرات الأخبار

هنا تكمن حكمة الرؤية المصرية، فهى لا تنجرف وراء الفروع، بل تعالج الجذور، وتدرك بشكل دقيق وشامل حقيقة الصراع، وأهداف النيات الخبيثة التى تسعى لفصل القضية الفلسطينية عن صلب المشهد الإقليمى

منذ أن أطلق الرئيس الأمريكى الأسبق جورج دبليو بوش مقولته الشهيرة فى أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001: «من ليس معنا فهو ضدنا»، والسياسة العالمية تغيرت، وبدت المواقف الدولية دائما أكثر حدة، وأعصاب العالم مشدودة، صوت العقل يتراجع فى مواجهة الأصوات النشاز التى تقرع طبول الحرب، وتجنى الأرباح عبر إشعال الأزمات، وتبحث عن مكاسب سريعة تحت ركام الاضطرابات.

لكن مع تعدد الأزمات الدولية، ومعظمها كان له تأثير كبير وعميق على إقليم الشرق الأوسط، بدأ كثيرون حول العالم يدركون الحقيقة، فقد أيقنوا أن السياسات سريعة التغير يمكن أن تحقق مكاسب سريعة، لكنها لا تصلح لتحقيق أمن مستدام، فهى أقرب لمضاربات البورصة يمكن أن تصيب مرة أو حتى مرات، لكن خطأ واحدا يكفى لخسارة كل ما تحقق من مكاسب الربح السريع.

قليلة هى الدول والقيادات التى كانت تتأمل ما يجرى على الساحة الإقليمية والدولية، وترصد بعين الخبير المستند إلى إرث عميق من المواقف والانخراط العميق فى الأحداث الإقليمية والدولية، والأقل هم من سعوا إلى ممارسة دور يتسم بالعقلانية فى زمن الجنون، وأن يتحلوا بالهدوء فى مواجهة العواصف، وأن يكونوا صوتا حكيما وسط محيط يموج بالفوضى.

كانت مصر دائما - وستبقى- هذا الصوت العاقل والفعل الحكيم، الذى لا ينجرف وراء ممارسة لعبة السياسة الدولية «بالقطعة»، فالقاهرة لا ترسم مواقفها وفق تحولات عناوين نشرات الأخبار، ولا تضع بوصلتها وفق أجندات شخصية، فبوصلة المواقف المصرية دائما واضحة: المصلحة الوطنية العليا، والطريق محدد: احترام النفس والآخرين وبناء توازن استراتيجى من مختلف الأطراف، والأدوات أيضا جاهزة: القوة العاقلة والدبلوماسية النشطة والمواقف التى لا تعرف تلونا ولا تمارس الابتزاز السياسى أو تخضع له.

هذه مصر لمن يريد أن يفهم ويعى، لماذا كانت حاضرة على طاولة «السبع الكبار»، ولماذا حجزت تلك الدول - التى لا تعرف المجاملة ولا تحترم سوى الأقوياء - لمصر مكاناً فى إيفيان؟

فرضت مصر حضورها والتزمت بممارسة السياسة المتزنة والمتوازنة، فألزمت الجميع الإنصات أخيرا لصوت العقل، وأدرك الإقليم والمؤثرون فى صناعة القرار الدولى أنه لا مجال للاستغناء عن الدور المصرى، ولا سبيل لتعويض قوة مصر، فعندما تحتدم الأزمات تكون الثقة هى العملة مقبولة الدفع، ولمصر - والحمد لله - رصيد وافر من تلك الثقة.



فى عالم يموج بالاضطرابات الجيوسياسية غير المسبوقة، وتتسيد مشهده صراعات مسلحة تكاد تعصف بأسس النظام الدولى الاستراتيجى والاقتصادى، تبرز الدولة المصرية كحجر زاوية للاستقرار، وصوت حاسم للعقل والرشادة الدبلوماسية وسط بيئة إقليمية ودولية غارقة فى الاستقطاب الحاد.

لذا لم يكن غريبا أن تتجه أنظار «السبعة الكبار» إلى القاهرة، حيث حظيت مشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى فعاليات قمة مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى «G7» المنعقدة فى مدينة إيفيان الفرنسية باهتمام دولى بالغ وبحفاوة مستحقة، فالدعوة الموجهة لمصر كدولة شريكة تجسد اعترافا صريحا من القوى العظمى بوزن مصر الاستراتيجى وثقة مطلقة فى «صوتها الحكيم» القادر على تعزيز معادلات التهدئة والتنمية فى الشرق الأوسط.

نجحت الإدارة المصرية فى صياغة عقيدة دبلوماسية متوازنة وشديدة المرونة تجاه القوى الكبرى، مكنتها من التحرر من قيود الاستقطاب التقليدى، فالقاهرة لم تعد تحسب على معسكر ضد آخر، بل أسست لشراكات استراتيجية متعددة الأبعاد تعتمد على التكافؤ والمصالح المشتركة واحترام السيادة الوطنية.

هذا فضلا عن أن وضوح المواقف المصرية، واتباعها نهجا شريفا فى زمن عز فيه الشرف، مكنها من بناء جسور من الثقة مع مختلف الأطراف حتى المتصارعة منها، هذه الجسور عبرت عليها دبلوماسية القاهرة النشطة للتواصل مع مختلف الأطراف فى أعقد لحظات الأزمة، بينما اكتفى المتلونون وأصحاب الوجوه المتعددة بالمتابعة، ربما ليحددوا أى قناع يمكن أن يرتدوه عندما تهدأ العاصفة!!



لم تكن السياسة الخارجية المصرية مجرد شعارات رنانة، بل تحولت خلال سنوات حكم الرئيس السيسى إلى جهود وإنجازات ملموسة أسهمت بشكل حاسم فى خفض التصعيد الإقليمى، فى واحدة من أحلك مراحل التاريخ الشرق أوسطى وأعقدها، فاستطاعت القاهرة بحكمة القيادة، واحترافية المؤسسات، وإخلاص النيات، وموثوقية العلاقات والاتصالات، أن تحقق اختراقات كبيرة فى جدران الأزمات التى حاصرت الشرق الأوسط وكادت أن تخنقه وتحطم عظامه.

مثلت مصر الركيزة الأساسية والوسيط الرئيسى - بالتنسيق مع الشركاء الدوليين- للتوصل إلى تفاهمات واتفاقيات حاسمة لوقف الحرب فى قطاع غزة وتأمين تدفق المساعدات الإنسانية، وكان مشهد توقيع اتفاق وقف الحرب فى مدينة السلام: شرم الشيخ، مشهدا ذا دلالة للقاصى والدانى.

كما قدمت الدبلوماسية المصرية دعما محوريا للمساعى والجهود الدبلوماسية الدولية التى أسهمت فى صياغة وبلوغ الاتفاق الدولى بين الولايات المتحدة وإيران، مما حال دون انزلاق منطقة الخليج العربى والشرق الأوسط إلى أتون مواجهة عسكرية شاملة، وفتح الباب لإعادة استقرار الملاحة البحرية وإعادة فتح مضيق هرمز أمام التجارة العالمية.

ووسط ذلك الضجيج غير المسبوق على خلفية الحرب على إيران، لم يفقد الصوت المصرى وضوحه ولا صدقه، فنحن نرفض العدوان بكل صوره، ونرى أن الحرب ليست هى الحل، رفضنا ضرب إيران، وبنفس الوضوح رفضنا عدوان إيران على دول الخليج وأية أراضٍ عربية لا ذنب لها فى حمى الجنون المتصاعدة بالمنطقة.

أكدت القيادة المصرية دائما بخطاب حاسم لا يحتمل التأويل أن أمن منطقة الخليج العربى والدول العربية هو خط أحمر لا ينفصل عن الأمن القومى المصرى، معلنة رفضها التام لأى اعتداءات أو تهديدات تمس استقرار الأشقاء، ومستمرة فى الوقت ذاته فى رعاية الحلول السياسية للأزمات فى السودان وليبيا ولبنان للحفاظ على وحدة وسيادة الدولة الوطنية.

وحلقت طائرة الرئيس السيسى مرات عدة فى سماوات مزدحمة بالمسيرات والصواريخ الباليستية والقاذفات بعيدة المدى وطائرات التجسس. لم يأبه زعيم مصر بالخطر، أو يتراجع أمام المهددات، بل قرر أن يكون وجوده إلى جوار الأشقاء فى تلك اللحظات الصعبة رسالة دعم ومساندة، متعاليا على كل المحاولات الصغيرة للنيل من الدور المصرى أو تشويه مواقفنا، فمصر أكبر من الصغائر وسياساتها أنزه من الانسياق وراء الاستفزازات.



لم تكن المشاركة المصرية فى قمة «إيفيان» مجرد مشاركة بروتوكولية أو تلبية لدعوة لمناقشة قضايا وأزمات إقليم يبحث عن شاطئ أمان، بعدما حطمت أنواء الحرب وريحها الهوجاء الكثير من قوارب النجاة ومجاديفها، بل كانت فرصة لأن تضع مصر على طاولة «السبع الكبار» خريطة طريق محكمة، ورؤية متكاملة للخروج من الأزمات، ورسم طريق السلامة، بعدما جرت سياسات المتطرفين المنطقة إلى دوامات الندامة.

طرح الرئيس عبدالفتاح السيسى رؤية مصرية شاملة وواقعية وشجاعة فى جلسة «الخروج من الأزمات وضمان الاستقرار بالشرق الأوسط»، حددت بدقة مكامن الداء ووصفت بحكمة الدواء الناجع.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من بوابة أخبار اليوم

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بوابة أخبار اليوم

منذ 4 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 12 ساعة
منذ 11 ساعة
منذ 6 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 19 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 6 ساعات
بوابة الأهرام منذ 16 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 21 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 8 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 11 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 18 ساعة
موقع صدى البلد منذ ساعتين