جنازة " بارمنيدس " في مسجد حموي

يُروى أن ابن تيمية - عام 692هـ - سجَّل في كراسه طريقة لإدانة الأقوياء، وهي أنَّ عبدالعزيز الكناني - وهو خارج إلى بغداد ليُعلن للناس أنَّ القرآن غير مخلوق - ستر أمره وأخفى خبره عن الناس كلهم؛ خشيةَ من أن يشيع خبره، ويُعلَم مكانه، فيُقتل قبل أن يُشهد الناس عن سِرِّ قتله، حتى إذا وصل إلى بغداد، أشهد الخلائق - بعد صلاة الجمعة - بما يُضمر، فإن قُتِل علم الناس سرَّ قتله.

استخدم ابنُ تيمية هذا النَّهج في مدينة حماة، والحكاية بدأت من لحظةٍ تيميّة كان يتأمل فيها كيف خافَ الإنسانُ من فكرة (العدم) وكيف استوردت الفلسفاتُ حيلةً لترويض هذا الفراغ الوجودي بتحويله إلى أداةٍ منطقية سمّوها (النفي)، وتبادر إلى ذهنه بيتَ زهير بن أبي سلمى: «وأعلم علم اليوم والأمس قبله/ولكنّني عن علم ما في غد عَمِ»، فانتبه إلى أنَّ هناك من مسخ حقيقةَ النفي عند العرب، فالعربيُّ الأول كان يمتلك بوصلةً معرفيّة ذكيّة وواقعية لوجوده في هذا الكون؛ فهو يعتمد على (الإثبات) العياني المحيط بما يُدركه حسّه في حاضره وماضيه، وحين يقف أمام الغيب والمستقبل، فإنَّه يُعلن عجزه الإدراكي، وهنا قال ابنُ تيمية قوله الشهير: «أكثر الجهل إنَّما يقع في النفي؛ لأنَّ إحاطةَ الإنسان بما يُثبته أيسر من إحاطته بما ينفيه»، فقرر استعادة منطق العرب، واتَّجه إلى حماة؛ حيث راسله بعضُ أهلها عن وجود ثلاثة مجالس تُعقَد في كنف أمير حماة محمود بن المنصور الأيوبي، مجلس مشّائي، ومجلس إشراقي، ومجلس كلامي، مع تفصيل لكل مجلس. سافر ابن تيمية مع بعض تلاميذه وأصدقائه مضمرًا أنه -قبل أن يخالف القوم- لا بد أن يفك إشكاليةَ النفي والعدم؛ ليخبر الناسَ كيف تصورها العربي الأول؛ لأنه إن سجنه الأمير الأيوبي، ومات في سجنه عَلِمَ الناسُ سبب ذلك. (وهذا التكتيك أسميه التكتيك الكناني).

لمَّا وصل إلى حماة اتَّجه إلى المسجد وصلى الجمعة، ثم وقف وعرَّف بنفسه ونادى - بصوت عالٍ - شقيقَه وملازمه في أسفاره شرف الدين بن عبدالحليم قائلا: يا عبدالله، أتعرف عربيا يترك يقين حواسه وفطرته ليسبح في ملكوتٍ تجريدي، ثم يقف أمام الله فلا يصفه بما نطق به كتابُ قومه القرآن من صفات الفاعلية، إنما ينفي عنه كل شيء ليجعله مجرد فكرة بلا صفات؟

فأجابه أخوه: ذاك الشيخ أرسطو، فضجَّ المسجد بأصوات متداخلة، ولا يُدرى أضحكًا من سخرية الإجابة أم إكبارا لأرسطو. ثم بدأ ابنُ تيمية في كشف خيوط الأحبولة، فحاول خطيب المسجد جلال الدين الرازي أن يُسكته، ووقف صدر الدين ابن الوكيل من الصف الأول ليشوش على حديثه، فقال لهما قاضي قضاة حماة شرف الدين البارزي: «إن كنتما على يقين من خزعبلاته فاتركاه يقل ما يشاء». وهنا صفا الجو لابن تيمية، فانطلق يهدر الكلام هدرا - من شدة ذكائه وسرعة تبادر المعاني إلى سجيته - بدأ ببيان أن الدهرية دخيلة على.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ 6 ساعات
منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ ساعة
منذ 3 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 11 ساعة
صحيفة الوئام منذ 4 ساعات
صحيفة الوطن السعودية منذ 4 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 5 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 5 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 11 ساعة
صحيفة سبق منذ 14 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 9 ساعات