الهوية الفكرية وحصانة الأجيال

تتباهى كثير من الدول بهوياتها الثقافية والفكرية، كما تتفاخر بلغتها، وتعتز بتاريخها، فالهوية الفكرية، واللغة، والتاريخ تعد ركائز ومصادر قوة للمجتمعات وبقاء الدول، وأي مجتمع أو دولة تسمح لأحد أن ينال من مصادر هذه القوة، فإنها قد فتحت الباب على مصراعيه (للتخريب الأيديولوجي) كما يسميه الباحثان الروسي يوري بيزمينوف Yuri Bezmenov والجورجي شوتا غفينيريا Shota Gvineria، وهو عملية تقوم على صناعة الانشقاقات الفكرية في المجتمعات والدول المستهدفة، لتفقد هويتها الفكرية، وبالتالي تخسر حصانتها وقوتها السياسية.

وعن هذا التخريب العالمي كتب الباحث الروسي يوري بيشزمينوف في كتابه الشهير (هندسة الانهيار العظيم)، ومما قال «تتساقط الدول الوطنية واحدة تلو الأخرى، أو تدخل في دوامة من الشلل المؤسسي والاحتراب الأهلي، مما يطرح سؤالا جوهريا يتجاوز التفسيرات السطحية للأحداث اليومية، مفاده: هل ما يجري هو تآكل ذاتي، أم عملية (هدم محكوم) Controlled Demolition خطط لها بعناية فائقة؟. (هندسة الانهيار العظيم: تشريح آليات التخريب الأيديولوجي وتصنيع الهويات القاتلة في البلدان العربية).

وقد عمد مخططو عملية التخريب الأيديولوجي عالميا - حسب الباحث الروسي - إلى التركيز على ثلاثة مجالات رئيسية:

أولها: التعليم عبر إفراغ المناهج من محتواها القيمي والوطني الجامع، واستبدالها بمناهج تركز على (النسبية) وتفتقد للعمق العقدي الفكري والتاريخي.

وثانيها: المجال الإعلامي عبر السيطرة على العقل الجمعي، بضخ مستمر لمواد تشكيكية وترفيهية سطحية، أو أخبار موجهة تزرع اليأس والعدمية.

وثالثها: الحياة الاجتماعية باستبدال المؤسسات الطبيعية كالأسرة والقبيلة بمعناها الإيجابي المتكافل، بمنظمات مصطنعة وهيئات تدار أحيانا دون مراعاة للهوية الفكرية وأثرها الجامع، وهو ما يخلق حالة من الاغتراب بين الفرد ومحيطه! (المرجع السابق).

وقد أدت عملية التخريب هذه في البلدان العربية إلى ظهور جيل تائه يرفض هويته، وينظر للغرب والشرق واللغات الأخرى وللنماذج المستوردة بانبهار وإعجاب! مع احتقار عميق لكل ما هو محلي أو ذاتي. ووصف الباحث پيزمينوف هذا الجيل بأنه ملوث وحائر لدرجة أنه لن يصدق الحقائق حتى لو قدمت له بالوثائق والصور؛ لأنه فقد القدرة المعيارية على التمييز بين الخطأ والصواب، لدرجة أن اختلط لديه الحق بالباطل دون رؤية تنير له الطريق!

وعن مراحل التخريب الأيديولوجي، تأتي مرحلة عرفت بمرحلة (زعزعة الاستقرار) Destabilization. وهي التي تلي مرحلة استهداف العقول والهويات الفكرية، إذ تنتقل الخطة بعد اكتمال عملية غسل الدماغ للجيل الجديد، وهي مرحلة أسرع وأكثر عنفا، حيث إن مخطط التخريب الأيديولوجي - حسب الباحثين -، يوضح مراحل إسقاط الأمم، بما في ذلك تقويض الأخلاق، والتطبع على قيم مختلفة، وزعزعة الثوابت وإحلال التقليد. (المرجع السابق)

وقد ذمت السنة النبوية التقليد الأعمى، ونبهت إلى أهمية الاستقلالية الفكرية والنقد الذاتي، كما ورد في حديث (الإمعة) وواقع (السبهلل) الفارغ الذي ليس في عمل دنيا ولا في عمل آخرة: (لا تكونوا إمعة، تقولون: إن.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة مكة

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة مكة

منذ 7 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 7 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 11 ساعة
صحيفة الوطن السعودية منذ 11 ساعة
صحيفة الوئام منذ 11 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 18 ساعة
صحيفة الوطن السعودية منذ 10 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 13 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 13 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 12 ساعة