في كل عصر كانت هناك معايير ترفع الأشخاص إلى مكانة التأثير، لكن خطورة عصرنا لا تكمن في تعدد الأصوات بقدر ما تكمن في اضطراب معايير الاستحقاق نفسها. فبينما كانت المجتمعات تحتفي قديماً بأصحاب الفكر والعلم والإنجاز، أصبحنا اليوم نعيش زمناً يستطيع فيه الضجيج أن ينافس الحكمة، وأن يزاحم الحضورُ الرقمي القيمةَ الحقيقية.
لقد منحت وسائل التواصل الاجتماعي الجميع فرصة الظهور، وهي في ذاتها نعمة معرفية وإنسانية عظيمة، إلا أن المشكلة بدأت عندما تحوّل الظهور إلى قيمة مستقلة بذاتها، وأصبح الانتشار معياراً للتأثير، والتفاعل دليلاً على المصداقية، وعدد المتابعين بديلاً عن الخبرة والكفاءة.
ومع مرور الوقت، لم نعد نكتفي بمشاهدة هذه الظاهرة، بل أصبحنا نشارك في صناعتها، نصنع الرموز، ونمنح المنصات، ونضخّم الأسماء، حتى بات بعض من لا يملك مشروعاً فكرياً أو معرفياً يُقدَّم بوصفه مرجعاً، بينما تتراجع الكفاءات الحقيقية إلى الظل لأنها لا تجيد الصراخ بقدر ما تجيد العمل.
ومن هنا يبرز السؤال الأهم: هل نحن أمام أزمة محتوى، أم أمام أزمة وعي في اختيار من لا يستحق؟
ليست كل شهرة دليلاً على القيمة، كما أن كثرة المتابعين ليست برهاناً على الفكر، ولا ارتفاع نسب المشاهدة شهادةً بالكفاءة.
إحدى الإشكاليات التي نعيشها اليوم أن معايير التقدير الاجتماعي أصبحت مضطربة إلى حدٍ بعيد، فأصبح بعض الناس يُقاسون بما يملكون من حضور رقمي لا بما يملكون من أثر حقيقي، وبما يحصدونه من تفاعل لا بما يقدمونه من معرفة أو إنجاز أو رسالة.
في زمن المنصات المفتوحة، لم تعد المشكلة في وجود المحتوى السطحي، فذلك أمر طبيعي في كل عصر، وإنما المشكلة في تحويل هذا المحتوى إلى مرجعية، ومنح أصحابه مكانة تفوق حجمهم الحقيقي، حتى أصبح البعض يُستضاف، ويُحتفى به، ويُقدَّم بوصفه مؤثراً أو صاحب رأي، بينما لا يحمل من التأثير سوى قدرته على جذب الانتباه.
ويختلف مفهوم جذب الانتباه من شخص إلى آخر منهم من يبث أفكاراً لا تمت لديننا بصله ومنهم من يدعي الوعي وهو في الحقيقة يسعى إلى التمرد والتجرد من القيم والأخلاقيات.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يختلط فيه مفهوم الشهرة بمفهوم القيمة، وأن تصبح القدرة على إثارة الجدل أهم من القدرة على صناعة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الراي
