طبشوري حين تصبح الرحمة شكلاً من أشكال المقاومة

سرايا - في الحروب، تتشابه الوجوه، وهي تركض هاربة من الموت. يحمل الناس ما خفّ وزنه وغلا ثمنه: طفل نائم على كتف، صورة قديمة، مفتاح بيت، أو ذكرى يخشون أن تضيع. لكن الحروب تكشف أيضاً عن وجوه أخرى للإنسان، وجوه تقاس بما يبقى في القلب من رحمة حين ينهار كل شيء حوله.

في البقاع الغربي، حيث مرّت الحرب مثل سحابة سوداء فوق الحقول والبيوت والطرقات، عاش شاب في الثامنة والعشرين من عمره اسمه وليد حمود قصة لم يكن يتوقع أن تلامس قلوب آلاف الناس. لم يكن بطلاً يحمل سلاحاً، ولم يكن صاحب منصب أو شهرة. كان شاباً بسيطاً، يملك قلباً واسعاً وحماراً صغيراً اسمه «طبشور».

اسم قد يبدو عابراً للوهلة الأولى، لكنه تحوّل مع الأيام إلى عنوان حكاية كاملة عن الوفاء والحب والرحمة.

كان طبشور يمشي خلف وليد أينما ذهب. لا يحتاج إلى حبل يشده، ولا إلى عصا توجهه. يكفي أن يتحرك صاحبه حتى تتحرك معه خطواته الصغيرة. وكأن بين الاثنين لغة سرية لا يسمعها أحد، لغة لا تحتاج إلى كلمات.

في عالم اعتاد أن ينظر إلى الحمير بوصفها رمزاً للسخرية أو البلادة، جاء طبشور ليقلب الصورة كلها. لم يكن حيواناً في حياة وليد، إنما كان رفيقاً حقيقياً، صديقاً يعرف الطريق إلى صاحبه أكثر مما يعرف الطريق إلى الحقل. وكان وليد بدوره يراه كائناً يستحق الحب والرعاية والاهتمام، لا مجرد دابة للعمل.

كل صباح كان يطعمه ويسقيه ويطمئن عليه. لم يكن يفعل ذلك من باب الواجب فقط، بل من باب المودة. تلك المودة الصامتة التي تنمو بين الأرواح. ثم جاءت الحرب.

وحين تأتي الحرب، يتغيّر كل شيء. تصبح المسافات أطول، والطرق أكثر خطراً، والأيام أثقل من الجبال. يصبح الخوف جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، حتى إن الإنسان يعتاد سماعه كما يعتاد صوت الريح.

في تلك الأيام، كان وليد يخرج كل يوم تقريباً ليطعم طبشور ويسقيه، رغم المخاطر التي كانت تحيط بالمكان. لم يكن الأمر سهلاً. كان يعرف أن أي خطوة قد تحمل خطراً، وأن العودة ليست دائماً مضمونة. ومع ذلك، كان يعود إلى صديقه الصغير. ربما لأن الحب الحقيقي لا يعرف لغة الحسابات.

كان يمكنه أن يقول لنفسه إن الظروف أقوى منه، وإن النجاة أولى، وإن حيواناً واحداً لا يستحق المجازفة. لكنه لم يفعل.

في كل مرة كان يقترب من طبشور، كان يشعر أنّه يقترب من جزء من نفسه. كأن تركه وحيداً يعني التخلي عن شيء عميق في داخله، شيء لا تستطيع الحرب أن تسلبه ما دام حياً.

وحين كان الناس يسألونه عن سبب هذا التعلق، كان يجيب ببساطة تلامس القلب أكثر من أي خطاب طويل: «بحبّه وما فيي اتركه».

كم تبدو هذه العبارة بسيطة. وكم تحمل من المعاني.

في زمن الحروب، يصبح الحب نفسه عملاً من أعمال المقاومة. مقاومة للقسوة، للخراب، لفكرة أن الخوف يجب أن ينتصر على الرحمة.

ولعل أكثر ما يوجع في قصة وليد لم يكن الخطر الذي كان يواجهه، بل الفكرة التي ظلّت تطارده. ماذا لو عادت الحرب من جديد؟ ماذا لو اضطر هذه المرة إلى الابتعاد عن طبشور؟

كان يتحدث عن هذا الاحتمال وكأنه يتحدث عن فقدان صديق أو فرد من العائلة، لأن العلاقة بينهما تجاوزت منذ زمن حدود العلاقة التقليدية بين الإنسان والحيوان.

هناك كائنات تدخل حياتنا بهدوء، ثم تتحول إلى جزء من ذاكرتنا اليومية. نعتاد وجودها إلى درجة أننا لا نلاحظ حجم حضورها إلا حين نتخيل غيابها. كان طبشور واحداً من تلك الكائنات.

ولذلك لم يكن غريباً أن يتحول إلى ظاهرة إنسانية على وسائل التواصل الاجتماعي. لم يقع الناس في حب الحمار لأنه حمار. وقعوا في حب صورة الوفاء التي يمثلها. أحبوا فيه تلك البراءة التي ما زالت قادرة على النجاة وسط عالم يزداد قسوة يوماً بعد يوم. وأحبوا أكثر ذلك الشاب الذي لم يخجل من التعبير عن حبه.

في زمن يبالغ فيه الناس بإظهار القوة، وقف وليد أمام الكاميرا ليتحدث عن مشاعره تجاه حيوان صغير بكل عفوية وصدق. لم يختبئ خلف الأقنعة المعتادة للرجولة القاسية. لم يحاول أن يبدو بطلاً خارقاً. تحدث كما يتحدث إنسان يحب كائناً آخر ويخاف عليه. وربما لهذا السبب صدّقه الجميع. فالصدق، مثل الماء، يجد دائماً طريقه إلى القلوب.

انتهت الحرب، أو على الأقل هدأت نارها. وبقي وليد مع طبشور. بقي المشهد نفسه. شاب يسير في الحقول، وحمار صغير يمشي إلى جانبه. صورة قد تبدو عادية جداً لو نظرنا.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من وكالة أنباء سرايا الإخباريه

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من وكالة أنباء سرايا الإخباريه

منذ 4 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ 11 ساعة
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
موقع الوكيل الإخباري منذ ساعتين
خبرني منذ 20 ساعة
موقع الوكيل الإخباري منذ 13 ساعة
وكالة أنباء سرايا الإخباريه منذ ساعة
موقع الوكيل الإخباري منذ 8 ساعات
خبرني منذ 12 ساعة
رؤيا الإخباري منذ ساعة
خبرني منذ 13 ساعة