سوريا أحدث ساحات صراع الشركات العالمية على منابع الطاقة بالشرق الأوسط

بعد سنوات من العقوبات، والحرب، وتجميد الاستثمارات، لم يعد دخول الشركات الأجنبية إلى قطاع الطاقة السوري حدثاً استثنائياً بحدّ ذاته، بل بات السؤال الأهم: لماذا تتسابق شركات أميركية وخليجية وأوروبية، اليوم، على حجز مواقعها في السوق السوري؟

في أحدث حلقات هذا السباق، وقّعت «الشركة السورية للبترول» عقد تطوير مع «كونوكو فيليبس» و«نوفاتيرا للطاقة» الأميركيتين لزيادة إنتاج الغاز من عدد من الحقول، في خطوة تعكس انتقال القطاع من مرحلة التفاهمات والوعود إلى مرحلة المشاريع التنفيذية.

يوقّع العقد عن «كونوكو فيليبس» الرئيس التنفيذي رايان لانس، وعن «نوفاتيرا» أليكس ماكدونالد، ومن الجانب السوري المهندس يوسف قبلاوي رئيس «الشركة السورية للبترول» برعاية وزير الطاقة محمد البشير.

سوريا توقع عقداً مع شركتين أميركيتين لتطوير حقول الغاز وزيادة الإنتاج

من التفاهمات إلى العقود

يأتي الاتفاق بعد سلسلة من التحرّكات الاستثمارية التي شهدها قطاع الطاقة السوري خلال الأشهر الماضية.

فعلى الجبهة الأميركية، أبرمت «إتش كي إن للطاقة» عقد منبع لمدة 25 عاماً على حقول النفط في الرميلان بمحافظة الحسكة.

في فبراير 2026، وقّعت «شيفرون» الأميركية مذكرة تفاهم مع شركة «يو سي سي القابضة» القطرية لتطوير أول مركز نفط وغاز بحري في سوريا.

وعلى الجبهة الخليجية، أبرمت «الشركة السورية للبترول»، في ديسمبر 2025، عقداً مع «أديس القابضة» السعودية، أُلحق بعقد نهائي في أبريل 2026، لتطوير 5 حقول غاز يُتوقّع أن يرتفع إنتاجها 25% خلال 6 أشهر.

كما وقّعت «دانة غاز» الإماراتية، في نوفمبر 2025، مذكرة تفاهم لإعادة تطوير حقول الغاز في وسط سوريا، بما فيها حقل أبو رباح - أحد أكبر اكتشافات الغاز في البلاد.

أما على الجبهة البحرية، فقد جمع، 12 مايو 2026، «توتال إنرجيز» الفرنسية و«قطر للطاقة» و«كونوكو فيليبس» في مذكرة تفاهم ثلاثية وُقّعت في الدوحة، لمراجعة قطعة Block 3 البحرية قبالة ساحل اللاذقية، حيث يتراوح عمق المياه بين 100 و1,700 متر.

الخريطة الحالية مقابل الأهداف

بحسب شركة وود ماكنزي، من شأن تخفيف العقوبات وانحسار التدخل الأجنبي، أن يُهيّئ الظروف لقطاع الطاقة السوري لبدء التعافي بعد أكثر من عقد من الصراع. فقبل العام 2011، كانت سوريا تُنتج نحو 380 ألف برميل، يومياً، من النفط، و900 مليون قدم مكعب، يومياً، من الغاز. وبحلول العام 2021، انخفض إنتاج النفط الوطني إلى ما بين 50 ألفاً و80 ألف برميل يومياً.

تُنتج سوريا، اليوم، ما بين 90 و120 ألف برميل نفط يومياً وفق تصريح المتحدث باسم وزارة الطاقة السورية أحمد سليمان لوسائل الإعلام السورية في نوفمبر 2025، وتقديرات معهد واشنطن للسياسة الشرق أوسطية الصادرة في الفترة ذاتها إلى جانب نحو 7 ملايين متر مكعب من الغاز يومياً.

مواقع حقول النفط والغاز العاملة حاليا في مختلف محافظات سوريا

على صعيد الطموحات المستقبلية، أعلن الرئيس التنفيذي للشركة السورية للنفط يوسف قبلاوي، في تصريحات نقلتها وكالات دولية في يونيو 2026، استهداف بلوغ مليون برميل، يومياً، بحلول 2030، مع توقع استقرار الإنتاج بنهاية 2026 في ضوء رفع العقوبات الأمريكية والأوروبية، وعودة شركات دولية، وتوقيع اتفاقية استكشاف الاحتياطيات البحرية.

لماذا تحظى سوريا بهذا الاهتمام؟

يرى فراس شعبو، أستاذ الإدارة المالية في جامعة «باشاك شهير»، أن أهمية الاتفاق لا تكمن في حجم الإنتاج المتوقع فقط، بل في الرسالة التي يوجّهها للأسواق الدولية.

وقال لـ«إرم بزنس» إن دخول شركة بحجم «كونوكو فيليبس» يعكس تراجعاً في تقييم المخاطر المرتبطة بالسوق السورية مقارنة بالسنوات السابقة، ويمنح مؤسسات استثمارية أخرى مؤشراً على أن الفرص أصبحت «أكثر جاذبية وقابلة للدراسة»، فاتحاً الباب أمام تدفّق لاحق من شركات الخدمات النفطية والصناديق الاستثمارية وشركات التمويل.

الكهرباء في صدارة المستفيدين

تقدّر الحكومة السورية أن المشروع سيسهم في رفع إنتاج الغاز بنحو 4 إلى 5 ملايين متر مكعب، يومياً، خلال عام واحد، وهي كميات يمكن أن تنعكس مباشرة على إنتاج الكهرباء.

يؤكد شعبو أن الغاز يشكّل الحلقة الأكثر أهمية في معالجة أزمة الكهرباء، نظراً لاعتماد معظم محطات التوليد السورية عليه، قائلاً: «إذا حسّنا الإنتاج المحلي، ستنخفض فاتورة الكهرباء، وسيصبح المنتج السوري قابلاً للمنافسة».

ويلفت إلى أن زيادة الإنتاج المحلي ستُقلّص الاعتماد على الواردات، وتخفّض تكاليف الوقود، بما ينعكس على النشاط الصناعي المتضرّر خلال السنوات الماضية من ارتفاع كلفة الطاقة، وعدم استقرار الإمدادات.

المصدر: خلال توقيع الاتفاقية

منافسة تتجاوز إنتاج الغاز

أهمية ما يجري لا تقتصر على تطوير الحقول، بل ترتبط بموقع سوريا الجغرافي وإمكاناتها المستقبلية كممر للطاقة والخدمات اللوجستية بين الخليج وتركيا وأوروبا.

ويذهب شعبو أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن «خط السكك الحديدية المقترح بين تركيا والرياض مروراً بسوريا» قد يحوّل البلاد إلى منطقة عبور للوجستيات والطاقة معاً، في وقت يسعى فيه الرئيس أحمد الشرع - وفق «فاينانشال تايمز» - إلى إحياء دور سوريا التاريخي كطريق بري لصادرات النفط العراقية إلى المتوسط، خاصة بعد إغلاق مضيق هرمز جرّاء الحرب الإيرانية.

التحديات أكبر من توقيع العقود

رغم الزخم الذي يحيط بقطاع الطاقة السوري، فإن تحويل الاتفاقات إلى نتائج ملموسة لا يزال يواجه تحديات كبيرة.

يرى الخبير الاقتصادي غازي المهايني أن قطاع النفط والغاز السوري يحتاج «مليارات الدولارات من تكاليف الصيانة والاستثمارات الجديدة» للعودة إلى مستوى 400 ألف برميل، يومياً، المسجّل العام 2010، مقدّراً أن ذلك يستلزم « 5 سنوات كأقل تقدير».

ويلتقي شعبو معه في تشخيص بنيوي: حقول الإنتاج وخطوط النقل ومحطات المعالجة «تحتاج وقتاً، وتمويلاً، وخبرات فنية»، مضيفاً: «حتى لو امتلكنا المال، قد لا نمتلك الوصول إلى التكنولوجيا»، في إشارة إلى قيود التصدير الأميركية على بعض المعدات الحساسة.

ويرى المهايني أن التأثير سيظل «محدوداً جداً دون رفع كامل للعقوبات»، وهو الشرط الذي لم يتحقّق بعد رغم التخفيفات الواسعة منذ 2025.

استثمارات الطاقة في سوريا.. لماذا تتأخر رغم زيادة الإنتاج؟


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ 10 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ ساعتين
منذ ساعة
قناة CNBC عربية منذ 9 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 22 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 14 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 16 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 14 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 13 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 16 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 8 ساعات