تتصاعد وتيرة إنجاز مشاريع تنمية في شرق ليبيا، وسط ميزانية تتجاوز 69 مليار دينار (12.71 مليار دولار) لصندوق إعمار رسمي مقره بنغازي، بشكل أثار مقارنة مع ما تقدمه حكومة الغرب الليبي التي تنحصر إدارتها بشكل رئيسي في العاصمة طرابلس وتنتقد الصندوق.
ويرى مسؤول رقابي ليبي وخبير اقتصادي، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن شرق ليبيا التي تتمدد بأقصى الجنوب الغربي، مروراً بسرت والجفرة (وسط البلاد) تشهد طفرة تنمية وإعمار وتسبق الغرب في ذلك بشكل لافت تترجمه المشاريع المتواصلة والاستقرار الأمني والعسكري مع وجود جيش وطني يبسط نفوذه برئاسة المشير خليفة حفتر، بخلاف دعم قوي من مجلس النواب المتواجد شرقاً عبر ميزانية ضخمة.
هذا التقدم الذي يربحه شرق ليبيا على مستوى التنمية، سيكون له تأثيرات مستقبلية على اقتصاد البلاد خاصة مع شراكات عديدة مع مصر وتركيا وغيرهما، بحسب الخبير الاقتصادي الليبي، متوقعاً مع المسؤول الرقابي الليبي أن يكون انضمام الغرب لهذه الطفرة التنموية مكسباً جديداً للبلاد حال توحدت الموازنة وكانت هناك شفافية أكبر.
ليبيا توقّع اتفاقيات تقاسم إنتاج مع شركات نفط عالمية
كيف انطلقت طفرة الإعمار في شرق ليبيا؟
ومنذ الانقسام السياسي في 2014، تتواجد حكومتان متنافستان في ليبيا البلد المنتج للنفط والذي يمثل أكثر من 90% من إيراداته.
بدأ النمو مع ظهور صندوق «التنمية وإعادة الإعمار» الذي أنشأه مجلس النواب في 2024 ككيان مستقل، ومقره مدينة بنغازي، ويتولى إدارة مشاريع إعمار في مناطق شرق ووسط وجنوب البلاد.
وانطلق «صندوق التنمية وإعادة الإعمار»، في تدشين مدن سكنية ومستشفيات وملاعب كرة قدم في مناطق عديدة بمنطقة سيطرة «الجيش الوطني» شرق البلاد وكذلك في وسط وجنوب ليبيا، بخلاف مشاريع في درنة التي ضربها الإعصار الشهير، ومؤخراً إطلاق شراكات عربية ودولية عديدة، من بينها تركية ومصرية وإيطالية.
وافتتح الصندوق المرحلة الثانية من مشاريع تطوير «جامعة سرت» «ضمن جهود الصندوق لدعم البنية التحتية التعليمية»، وفي مايو الماضي، شهدت مدينة سبها افتتاح «مطار سبها الدولي» (جنوب ليبيا) بعد استكمال أعمال إنشائه وتجهيزه.
وفي نهاية ديسمبر 2025 اعتمد مجلس النواب الليبي المتواجد في شرق البلاد ميزانية «صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا» المقدرة بـ69 مليار دينار، (12.71 مليار دولار) بواقع 25 مليار دينار تصرف خلال عام 2025، و23 ملياراً في عام 2026، و21 ملياراً في عام 2027، في واحدة من أضخم مخصصات الإنفاق التنموي التي يعتمدها مجلس النواب خلال السنوات الأخيرة، على أن يتولى «مصرف ليبيا المركزي» إيداع المخصصات السنوية في حساب الصندوق، وأن تغطى من الإيرادات النفطية والسيادية.
في مايو الماضي، زار مدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، بلقاسم خليفة حفتر، العاصمة المصرية القاهرة، وبحث مع رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي ووزيرة الإسكان، تعزيز التعاون في مجالات التنمية العمرانية والبنية التحتية والقطاع الصحي، وسبقها بحث بالقاسم حفتر، مع وفد تركي رفيع المستوي، سبل تعزيز التعاون المشترك في مجالات التنمية والإعمار.
ووسط نشاط للصندوق شرق البلاد، أعلن مجلس النواب موافقته، في ختام جلسته الرسمية يوم 2 يونيو، على تشكيل لجنة تضم عضواً عن كل دائرة، للاجتماع مع إدارة «صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا»، مع تقديم لتوضيح كيفية صرف الميزانية على جميع المناطق بعد اعتراض من عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة.
ميناء البريقة البحري، ليبيا.
المصدر: الشركة الليبية للموانئ
إنجازات ملموسة على الأرض
بدوره، قال وزير الدولة لشؤون الاقتصاد السابق ورئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار الليبي الحالي، سلامة الغويل، في حديث لـ«إرم بزنس»، إن «ما يشهده شرق ليبيا اليوم هو نموذج للمنافسة الوطنية الشريفة؛ فقد كان سبّاقاً في إطلاق مشاريع الإعمار والتنمية وتحقيق إنجازات ملموسة على الأرض».
وهذا السبق بحسب المسؤول الرقابي الليبي «لا ينبغي أن يُنظر إليه بحساسية جهوية، بل كحافز لبقية المناطق لتسريع وتيرة الإنجاز. فالمنافسة الحقيقية ليست بين شرق وغرب، بل في من يخدم المواطن أكثر ويحقق تنمية أسرع».
وطالب سلامة الغويل، أن «يحذو الغرب الليبي هذا النهج، خاصة في ترسيخ العدالة في توزيع المشاريع والفرص التنموية بين مدن الإقليم الغربي كافة، بعيداً عن المركزية أو الاعتبارات الضيقة، حتى يشعر الجميع بأنهم شركاء في التنمية وثمارها».
وأوضح أنه «إذا توحدت الموازنة وتكاملت الجهود، فإن نجاح الشرق سيكون مكسباً للاقتصاد الوطني كله»، مؤكداً أن «نهضة الغرب ستعزز قوة ليبيا ووحدتها واقتصادها، وخاصة أن ليبيا لا تخسر عندما ينجح جزء منها، بل تربح عندما ينجح الجميع».
وزير الزراعة لـ«إرم بزنس»: ليبيا تستغل نصف أراضيها الزراعية فقط
أسباب تقدّم الشرق وشروط لحاق الغرب الليبي بالركب
ويقر رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية المحلل الاقتصادي، خالد بوزعكوك، في حديث لـ«إرم بزنس»، بوجود طفرة تنموية في شرق ليبيا تسبق الغرب، مرجعاً ذلك لعدة أسباب أولها وجود جسم تنفيذي واحد هو صندوق التنمية وإعادة الإعمار وضم كل الأجهزة والهيئات الخاصة بالمقاولات وتنفيذ المشاريع تحت مظلة الصندوق».
ويعود السبب الثاني، بحسب بوزعكوك، إلى «الدعم السيادي لمجلس النواب للصندوق وتخصيص ميزانية كبيرة تناسب حجم المشاريع الموقعة».
ويضاف لذلك سبب ثالث يتمثل وفقاً لـ«بوزعكوك» في «حالة الاستقرار الأمني نتيجة لبسط نفوذ الجيش الوطني الليبي في شرق ووسط وجنوب ليبيا ساهم في توفير الحماية اللازمة للشركات والمواقع والعمالة الأجنبية، مما حفز المزيد من الشركات العالمية للقدوم لليبيا».
وأشار إلى أن «كل هذا النمو والإعمار بشرق ليبيا يحقق إيجابيات آنية ومستقبلية فمن خلال تواجد الشركات العالمية والعربية أتاح ذلك توفير آلاف الفرص للشباب في مجال الهندسة والمقاولات وأعمال البناء»، لافتا إلى أن «رفع كفاءة الخدمات الصحية والتعليمية وجودة البنية التحتية ستُسهمان في جذب الاستثمارات الداخلية والخارجية مما ينعكس إيجاباً على الحالة الاقتصادية للمواطنين».
وعن إمكانية أن تسير حكومة الغرب على خطى الشرق، يرى بزعكوك، إمكانية ذلك من «خلال توحيد الجهود وتفعيل وجود ميزانية موحدة وإدارة واحدة للموارد، وأن تكون الموارد المالية والمشاريع التنموية موزعة بعدالة بين المدن والمناطق، وأن تكون في إطار التنافسية الاقتصادية وليس عبر الصراعات السياسية».
وفي 11 أبريل الماضي، أعلن مصرف ليبيا المركزي أن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وافقا على أول ميزانية موحدة للبلاد منذ أكثر من 13 عاماً، آخر مرة تم الاتفاق فيها على ميزانية وطنية موحدة في 2013، بحسب «رويترز»، لافتاً إلى أن المجلسين اتفقا على 190 مليار دينار ليبي (29.95 مليار دولار) للميزانية.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

