بدت الأباتشي في حرب الخليج سلاحًا لا يُقهر، لكن كمين كربلاء عام 2003 كشف أن التفوق التقني لا يكفي وحده حين تتغير قواعد الميدان. في صباح 24 مارس/ آذار 2003، وبينما كانت القوات الأميركية تواصل اندفاعها داخل العراق بعد أيام قليلة من بدء الغزو، خرج الفلاح العراقي علي عبيد منقاش إلى حقله قرب كربلاء كما اعتاد أن يفعل.
لكن، ما وجده هناك لم يكن مشهدًا مألوفًا في أرض زراعية هادئة.. فقد كانت مروحية أميركية هجومية محطمة من طراز "إيه إتش-64 أباتشي" مستقرة على الأرض، وإلى جوارها طياران أميركيان بدت عليهما آثار الإصابة.
لم يكن منقاش يدرك في تلك اللحظة أن المشهد سيتحوّل إلى واحدة من أكثر صور الحرب تداولًا، ولا أن المروحية التي ظهرت بين الحقول العراقية كانت تمثل إحدى أشهر أيقونات القوة العسكرية الأميركية.
بعد إبلاغ السلطات العراقية بما شاهده، وصل رجال الأمن وعناصر من حزب البعث إلى الموقع للتحقق من البلاغ. وسرعان ما تحولت الحادثة إلى قصة دعائية داخل العراق، بعدما طُلب من الفلاح الظهور أمام كاميرات التلفزيون العراقي والقول إنه أسقط الأباتشي ببندقية قديمة.
تستعيد الحلقة المرفقة من برنامج "ترسانة"، الذي يبث عبر "العربي تيوب" ويقدمه الزميل حسن هاشم، هذه القصة من زاوية مختلفة: لا بوصفها حكاية عن بندقية قديمة ومروحية متطورة فقط، بل بوصفها مدخلًا لفهم صعود الأباتشي وحدودها، من حرب الخليج عام 1991 إلى كمين كربلاء عام 2003. رواية منقاش.. بين الدعاية والذاكرة بحسب الرواية التي أدلى بها منقاش لاحقًا لصحيفة "الرأي العام" الكويتية ونقلتها هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، طُلب منه القول إن المروحية سقطت ببندقيته القديمة. وفي روايات أخرى، ظهر منقاش كمن يؤكد أنه أسقطها بالفعل.
ويبدو أن تلك البندقية تحولت إلى عبء ثقيل عليه. فقد استشهد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بقصته في أحد خطاباته، معلنًا منحه جائزة قدرها 50 مليون دينار عراقي، لكن الرجل لم يحصل عليها.
وبعد سقوط نظام صدام في العراق، تعرّض منزله للهجوم والنهب بحثًا عن المال، قبل أن يموت فقيرًا بعد سنوات، حتى إنه باع بندقيته.
طلبت السلطات العراقية من علي عبيد منقاش القول إنه أسقط الأباتشي ببندقيته القديمة - غيتي بصرف النظر عن حقيقة الرواية، بقيت صور الاحتفال بسقوط الأباتشي حاضرة في الذاكرة العراقية. فالقصة لم تكن، بالنسبة إلى كثيرين، عن بندقية قادرة على إسقاط مروحية متقدمة، بل عن سقوط رمز عسكري أميركي في لحظة كان فيها ميزان القوة مختلًا على نحو كبير.
وبعيدًا عن الجدل الذي استمر سنوات بشأن حقيقة إسقاط المروحية، فإن القصة التي استوقفت العسكريين الأميركيين لم تكن تتعلق بهوية مطلق النار، بل بسبب وجود المروحية نفسها على الأرض.
فكيف وصلت "إيه إتش-64 أباتشي" التي صُنعت لتكون رأس الحربة في الهجمات الجوية الأميركية إلى هذه النهاية؟ وكيف وجدت نفسها في هذا الموقف أصلًا؟ يقود هذا السؤال إلى واحدة من أكثر القصص إثارة في تاريخ الطيران العسكري الحديث، وهي قصة المروحية التي تحولت من رمز للتفوق الأميركي في حرب الخليج إلى سلاح أجبر الجيش الأميركي على مراجعة عقيدته القتالية بعد كمين كربلاء. من فيتنام إلى الحرب الباردة.. لماذا وُلدت الأباتشي؟ لم تظهر الأباتشي فجأة في ثمانينيات القرن الماضي، فقد جاءت نتيجة مسار طويل بدأ بعد الحرب العالمية الثانية، حين توسع استخدام المروحيات في النقل والإمداد والإخلاء الطبي، قبل أن تأتي حرب فيتنام وتغيّر النظرة إليها بالكامل.
في فيتنام، استخدمت الولايات المتحدة مروحيات "يو إتش-1 هيوي" لنقل الجنود والإمدادات إلى ساحات القتال، ما فرض الحاجة إلى مروحيات مسلحة ترافقها وتحميها أثناء العمليات. ومن هذه الحاجة وُلدت مروحية "إيه إتش-1 كوبرا" عام 1967، بوصفها أول مروحية هجومية متخصصة في تاريخ الجيش الأميركي.
لكن نهاية الستينيات وبداية السبعينيات حملتا تحديًا مختلفًا. ففي ذروة الحرب الباردة، لم تعد واشنطن تفكر فقط في حروب العصابات، بل في احتمال مواجهة شاملة مع الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو في أوروبا. عندها برز سؤال بسيط ومخيف في آم واحد داخل البنتاغون:
ماذا تستطيع "الكوبرا" أن تفعل أمام آلاف الدبابات السوفييتية إذا اندفعت عبر السهول الأوروبية؟ كان الجواب واضحًا: لا بد من مروحية جديدة أكثر قوة وأطول مدى وأفضل تسليحًا وأكثر قدرة على المناورة والبقاء في ميدان المعركة.
لهذا، أطلق الجيش الأميركي عام 1972 مشروع "المروحية الهجومية المتقدمة" أو (AAH). وبعد منافسة بين شركات عدة، فاز تصميم "هيوز هيليكوبترز" الذي عُرف لاحقًا باسم "إيه إتش-64 أباتشي"، إذ بدا أكثر ضخامة ومتانة وقدرة على تحمل أضرار المعارك، وهو ما رجح كفته في المنافسة.
وُلدت فكرة المروحيات الهجومية الأميركية من دروس حرب فيتنام والحرب الباردة - غيتي سلاح صُمم لمطاردة الدبابات منذ البداية، صُممت الأباتشي لتكون أكثر من مروحية دعم تقليدية. فقد زُودت بهيكل متين للبقاء في ساحة المعركة، وأحيطت قمرة القيادة فيها بدروع سميكة.
كما زُودت مقدمة الطائرة بأنظمة رؤية ليلية واستشعار حراري متقدمة، ما منحها قدرة على تنفيذ العمليات نهارًا وليلًا وفي مختلف الظروف الجوية.
وفي مقدمة الطائرة برز المدفع الرشاش (M230) عيار 30 مليمتر، مثبت على محور متحرك يتيح له تغطية مساحة واسعة من الأهداف، بينما احتوت الأجنحة الجانبية على أربع نقاط تعليق يمكنها حمل صواريخ "هيلفاير" الموجهة المضادة للدروع، وصواريخ "هايدرا 70" غير الموجهة، أو خزانات وقود إضافية.
أما القوة الدافعة فجاءت من محركين توربينيين من طراز (T700) منحاها سرعة كبيرة تصل إلى 280 كيلومترًا في الساعة، وقدرة على المناورة والتحليق المنخفض. كما صممت عجلاتها لتحمل الهبوط الاضطراري فوق الأراضي الوعرة.
وبهذا التصميم، بدت الأباتشي الأولى سلاحًا هجوميًا متينًا قادرًا علي التحليق دون رصد.
دخلت المروحية الخدمة رسميًا في أبريل/ نيسان 1986، وكان دورها الأساسي دعم القوات البرية ومهاجمة الدبابات والتشكيلات المدرعة. وجاء أول اختبار قتالي لها في بنما عام 1989، إذ شاركت الأباتشي في ضرب مراكز القيادة والسيطرة وإسناد القوات الأميركية على الأرض، وخرجت من التجربة بصورة إيجابية. غير أن الاختبار الذي صنع أسطورتها الحقيقية كان لا يزال ينتظرها في الخليج. حرب الخليج.. لحظة صناعة الأسطورة عندما غزا العراق الكويت في أغسطس/ آب 1990، دفعت الولايات المتحدة بجزء كبير من أسطول الأباتشي إلى المنطقة.
ومع اقتراب ساعة الصفر في فجر 17 يناير/ كانون الثاني 1991، كانت ثماني مروحيات أباتشي تحلق فوق الصحراء العراقية في مهمة ستصبح لاحقًا من أشهر العمليات الجوية في تاريخ الجيش الأميركي.
لكن هذه المروحيات لم تكن وحدها، إذ رافقتها أربع مروحيات من طراز "إم إتش-53 باف لو"، وكانت مهمتها الأساسية الملاحة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من التلفزيون العربي
