28 مليار دولار استثمارات.. لماذا تواصل الليرة السورية تراجعها؟

تتزايد الضغوط على الليرة السورية مع استمرار تذبذبها الحاد أمام الدولار، في مشهد ينعكس مباشرة على حياة المواطنين، ويكشف حجم أزمة نقدية ممتدة منذ أكثر من 13 عاماً، بدأت مع اندلاع الاحتجاجات ضد نظام بشار الأسد وانتهت بسقوطه في ديسمبر 2024، لتدخل العملة الوطنية بعدها مساراً طويل الأمد من التراجع وفقدان القيمة.

وفي الوقت الذي تتكثف فيه الإجراءات الحكومية للحد من تقلبات سوق الصرف، يبرز الانفتاح الدولي المتزايد، لا سيما من الدول الخليجية تجاه دمشق، كعامل قد يساهم في تخفيف حدة الضغوط على الليرة، ريثما تستعيد القطاعات الإنتاجية قدرتها على النمو والتصدير، وفق ما يرى خبراء اقتصاد تحدثوا لـ«إرم بزنس».

سوريا أحدث ساحات صراع الشركات العالمية على منابع الطاقة بالشرق الأوسط

سعر صرف الليرة السورية.. أرقام وفجوات

في هذا السياق، تعكس بيانات سوق الصرف استمرار الضغوط على الليرة في التعاملات اليومية، مع تفاوت واضح بين المحافظات، حيث سجل الدولار الأميركي في أسواق دمشق مستويات عند 14,390 ليرة للشراء و14,450 ليرة للبيع، فيما بلغ في الحسكة 14,470 ليرة للشراء و14,520 ليرة للبيع، بحسب تقديرات الخميس، مقارنة بتذبذبه حول 14,000 ليرة مطلع يونيو الحالي.

يأتي هذا الانخفاض، بينما يثبت مصرف سوريا المركزي، نشرته الرسمية لسعر صرف الليرة مقابل الدولار، منذ 26 أبريل الماضي، عند مستوى 11,250 ليرة شراء، و11,350 ليرة بيع، وبذلك تبلغ الفجوة بين السوق الموازي والسعر الرسمي نحو 3,000 إلى 3,300 ليرة للدولار الواحد، أي أكثر من 25% تقريبا، وفق التقديرات.

كيف انهار الاقتصاد السوري خلال 13 عاماً؟

ذكرت دراسة عن سعر صرف الليرة بعد سقوط الأسد نشرها المركز العربي للأبحاث في 24 أبريل 2025 أن الناتج المحلي الإجمالي في سوريا انهار بنسبة 84% بين عامَي 2010 و2023، لافتة إلى انخفاض سعر الصرف الرسمي ما يقارب 300 ضعف مقابل الدولار الأميركي بين عامي 2010 وديسمبر 2024 و480 ضعفاً خلال الفترة ذاتها في السوق الموازي.

وأفرطت الحكومات السابقة في عهد بشار الأسد في طباعة النقود لتمويل العجز في الموازنة فانعكس ذلك على تضخم هائل، فبين عامي 2010 و2023 قفز المعروض النقدي من 2 تريليون إلى أكثر من 30 تريليون ليرة سورية دون أن يصاحبه نمو في الإنتاج أو الاحتياطات وتفاقمت هذه المشكلة مع تآكل الاحتياطات الاجنبية التي انخفضت من 19.5 مليار دولار عام 2010 إلى أقل من 500 مليون دولار حسب الدراسة.

وإبان سقوط نظام بشار الأسد في في ديسمبر 2024 تجاوزت الليرة عتبة الـ20,000 ليرة مقابل الدولار في السوق الموازي، لكن شهدت عملة سوريا منذ أوائل 2025 بدء تعاف وعودة لمستويات لامست 12,000 ليرة مقابل الدولار، مدفوعة باستثمارات وانفتاح الدولي، لكن عادت الليرة مع منتصف 2026 وتحديدا شهر يونيو الجاري لتشهد انخفاضات لافتة.

في 29 أكتوبر 2025، قال الرئيس السوري أحمد الشرع خلال مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض إن بلاده شهدت استثمارات بقيمة 28 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الماضية (منذ سقوط نظام بشار الأسد).

رحلة الليرة السورية من الاستقرار إلى «الهبوط الحر»

الليرة الجديدة وإصلاح العملة السورية 2026

ووسط ذلك الانفتاح الدولي، بدأت إصلاحات نقدية في سوريا، وأعلنت السلطات في ديسمبر 2025 عن بدء سحب الأوراق النقدية السورية القديمة من التداول، واعتماد الليرة الجديدة بديلاً رسمياً اعتباراً من 1 يناير 2026، ضمن هيكلة نقدية جديدة تقضي بطرح فئات نقدية معدلة وحذف صفرين من العملة (بحيث تصبح كل 100 ليرة قديمة ليرة واحدة جديدة)، وذلك في مسعى للسيطرة على التضخم واستعادة الثقة النقدية.

وفي 31 مايو الماضي، أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان أن النسبة المنفذة من استبدال العملة القديمة تجاوزت 63% على مستوى البلاد، معلناً تمديد مهلة استبدال الليرة القديمة لمدة ثلاثين يوماً إضافية اعتباراً من الأول من شهر يوليو 2026 كفرصة أخيرة.

سوريا تغرق بالدولار.. هل فقدت الليرة السورية دورها في السوق؟

ما الإجراءات المطلوبة لدعم صمود الليرة؟

يرى الخبير المصرفي أمجد نصر، في حديث لـ«إرم بزنس» أن «تفادي سوريا نزيف الليرة داخلياً يحتاج زيادة عرض الدولار، وهذا يتم عبر زيادة الصادرات وإتمام تحويلات المغتربين بشكل رسمي عبر النظام المصرفي، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة في القطاعات الإنتاجية».

وحذر نصر من استمرار وجود سعر رسمي ثابت وآخر مرتفع في السوق الموازي، خاصة وأنه يخلق مضاربة ويفقد الثقة بالنظام المصرفي، موضحاً أن الإصلاح يكون عبر تقليص الفجوة تدريجياً، واعتماد «سعر مرن مدار» بدلاً من سعرين منفصلين، وتوفير بدائل رسمية للحصول على الدولار وتنظيم شركات الصرافة وتشجيع المواطنين على إيداع الدولار في البنوك.

وشدد الخبير المصرفي على أن استقرار العملة في سوريا يحتاج اقتصاداً منتجاً وليس ريعياً، عبر إنتاج محلي يغطي جزءاً كبيراً من الاستهلاك، وتقليل الاستيراد غير الضروري، وتدفق مستمر للعملة الصعبة.

بمزيد من التفاصيل، يشير الأكاديمي والباحث الاقتصادي السوري وائل أحمد، في حديث لـ«إرم بزنس»، إلى أن عملية استقرار سعر صرف الليرة السورية التي تمضي فيها الدولة ستجني أثراً إيجابياً عبر مجموعة من الإجراءات التي تجمع بين السياسة النقدية والإصلاح الاقتصادي.

يتمثل الإجراء الأول، بحسب وائل أحمد، في «تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي من خلال تشجيع الصادرات وتحفيز تحويلات السوريين في الخارج عبر القنوات الرسمية، مع تقديم حوافز مصرفية وأسعار صرف تنافسية تقلص الاعتماد على السوق الموازي».

خلال عام 2025 ومطلع عام 2026، اتخذت الحكومة السورية خطوات عملية في هذا الاتجاه، شملت توحيد نشرات أسعار الصرف الرسمية ومنح المصارف وشركات الصرافة المرخصة هامش حركة مرن حول السعر المرجعي، إضافة إلى تخفيف القيود على تداول العملات الأجنبية والسماح باستخدام أكثر مرونة للحسابات المصرفية بالعملات الأجنبية، يضيف الأكاديمي والباحث الاقتصادي وائل أحمد.

تشمل الإجراءات، الحد من العجز المالي عبر تبني حزمة من الإصلاحات المالية تشمل تنمية الإيرادات العامة، وتحسين كفاءة الإدارة الضريبية، وترشيد الإنفاق العام بما يضمن الحفاظ على جودة الخدمات الأساسية واستدامتها، لافتاً إلى أن الحكومة شرعت في هذا الاتجاه بإعادة هيكلة بعض المؤسسات العامة، والعمل على تحديث الأنظمة الضريبية والجمركية، ومراجعة أولويات الإنفاق العام بما يتناسب مع متطلبات مرحلة التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.

الإجراء الثالث يتمثل في الاستمرار في تبسيط إجراءات الاستثمار والتجارة الخارجية، وهي خطوات بدأت الحكومة السورية بتنفيذها خلال المرحلة الحالية من خلال مراجعة التشريعات الاقتصادية وقوانين الاستثمار، بما يسهم في جذب تدفقات رأسمالية وإنتاجية جديدة تدعم الطلب على الليرة، بجانب إجراءات لتسهيل تسجيل الشركات ومنح التراخيص، وخفض عدد الموافقات الإدارية المطلوبة لبعض الأنشطة الاقتصادية، والعمل على تطوير البيئة التشريعية لجذب المستثمرين السوريين والأجانب، بالتوازي مع توسيع التعاون الاقتصادي مع الدول العربية والإقليمية، يضيف الخبير.

كما يسهم في ضبط استقرار العملة الوطنية «إعطاء الأولوية لإعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية القابلة للتصدير، ولا سيما الزراعة والصناعة» وفق الخبير الاقتصادي، الذي أوضح أن الحكومة أطلقت برامج لدعم إعادة تشغيل المنشآت الصناعية المتوقفة، وتسهيل استيراد المواد الأولية ومدخلات الإنتاج، وتحسين خدمات النقل والتجارة عبر المعابر والموانئ.

متى تنتهي أزمة الكهرباء في سوريا؟ معاون وزير الطاقة يجيب

الانفتاح الخليجي على سوريا.. فرصة لإنقاذ الليرة

يرى وائل أحمد، أن «الانفتاح الدولي المتزايد لاسيما خليجياً على دمشق يتيح فرصة مهمة لدعم صمود الليرة خلال المرحلة الحالية ريثما تستعيد القطاعات الإنتاجية قدرتها على النمو والتصدير»، لافتاً إلى أن المجتمع الدولي والمؤسسات المالية والتنموية يمكن أن يسهموا في تخفيف الضغوط على سعر الصرف عبر توسيع الاستثناءات المتعلقة بالمعاملات الإنسانية والتنموية، ودعم برامج إعادة تأهيل البنية التحتية الإنتاجية، وتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة القادرة على خلق فرص العمل وزيادة الإنتاج المحلي.

ويخلص إلى أن «دعم الليرة السورية لا ينبغي أن يفهم بوصفه دعماً نقدياً مباشراً للعملة فحسب، بل كجزء من استراتيجية أوسع تستهدف استعادة النشاط الاقتصادي والإنتاجي، فكلما ارتفعت معدلات الاستثمار والإنتاج والصادرات، تراجعت الضغوط على سوق الصرف الأجنبي، وأصبح استقرار الليرة نتيجة طبيعية لتعافي الاقتصاد وليس إجراء مؤقتاً يعتمد على التدخلات قصيرة الأجل».


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ 11 ساعة
منذ 4 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ 18 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعة
قناة CNBC عربية منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 6 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 9 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 4 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 11 ساعة