فى محاضرتها «Seeing Muhammad and each other whole»، (رؤية محمد.. ورؤية بعضنا البعض بشكل كامل) فى مؤتمر TEDxRainier فى سياتل الأمريكية، بتاريخ 10 نوفمبر 2012، لا تدخل الكاتبة البريطانية- الأمريكية الراحلة ليزلى هازلتون إلى سيرة النبى محمد، صلى الله عليه وسلم، من باب العقيدة، ولا من باب السجال، بل من بابٍ أكثر صعوبة: باب النظر العادل.
تبدأ المحاضرة من صورة شخصية بسيطة لها، وهى ترتدى غطاء رأس أثناء زيارتها لمسجد الشيخ زايد فى أبوظبى، لكن الصورة سرعان ما تتحول إلى سؤال ثقافى واسع: ماذا نرى حين ننظر إلى الآخر؟ صورته كما هى، أم تصوراتنا المسبقة عنه؟
تفتتح هازلتون محاضرتها باعتراف يحمل قدرًا من الدعابة، وعمقًا من التوتر: «عندما تكون منغمسًا بعمق فى عملك، فإنك تنسى كيف يبدو ذلك للآخرين. إلا إذا كنت، مثلى، يهودية لا أدرية، وكان ما تنغمس فيه بعمق هو الإسلام، وقد انتهيت للتو من كتابة سيرة لمحمد. حينها قد يشعر جمهورك ببعض التوتر».
من الجملة الأولى، تحدد هازلتون موقعها: كاتبة ذات خلفية يهودية، لا أدرية الموقف، اختارت أن تكتب عن النبى محمد، وهى تدرك أن هذا وحده يكفى لإثارة الأسئلة والشكوك؛ فالعالم، كما تقول المحاضرة ضمنًا، لم يعد يقرأ الأشياء فى بساطتها الأولى، بل يحمّلها فورًا بمعانٍ سياسية ودينية وهوياتية.
تروى هازلتون أنها لم تتخيل يومًا أن ترتدى عباءة أو غطاء رأس، لكن ذلك كان مطلوبًا لدخول المسجد، وتقول: «لم أتخيل يومًا أننى سأرتدى عباءة، لكنها كانت مطلوبة للدخول إلى مسجد الشيخ زايد فى أبوظبى. ذكّرت نفسى بأن الملابس لا تصنع المرأة، وأخذت نفسًا عميقًا. ولم يحدث أى برق من السماء، بل فى الحقيقة بدا الأمر أنيقًا إلى حد ما، وبما أن المسجد جميل جدًا، فقد نشرت الصورة على الإنترنت».
لكن الصورة، التى بدت لها لحظة احترام عابرة، استُقبلت بوصفها إعلانًا عن تحول داخلى، فبعض المسلمين قرأوها باعتبارها اقترابًا من الإسلام، وبعض اليهود قرأوها باعتبارها ابتعادًا عن الهوية الأصلية، تقول ساخرة: «كان هناك مسلمون يقولون، بشكل أو بآخر: رائع! لقد أصبحتِ مسلمة. ثم كان هناك يهود يقولون: يا إلهى، لقد أصبحتِ مسلمة! وبدا لى أن هذا استنتاج ضخم جدًا انطلاقًا من مجرد صورة».
هنا يبدأ جوهر المحاضرة، ليست المسألة غطاء رأس، بل آلية تأويل، فكيف تتحول قطعة قماش إلى دليل هوية؟ وكيف يتحول فعل احترام إلى بيان انتماء؟ لذلك تسأل هازلتون: «إذن فالصورة تدعو إلى التأويل، والسؤال هو: لماذا؟ ما الافتراضات الكامنة وراء ذلك؟ لو وضعتُ هذا الغطاء الآن مثلًا، فهل يُعتبر ذلك فعلًا من أفعال الاحترام، أم أنه نوع من عدم الاحترام؟ هل هو تعبير عن التعاطف، أم مجرد تصرّف متعجرف؟».
ثم تصل إلى ما يشبه القاعدة الأولى فى المحاضرة: «إن الطريقة التى يُنظر بها إلى هذا لا علاقة لها بى كثيرًا. بل هى انعكاس لتصوراتكم المسبقة وتوقعاتكم، وللأجندة التى تنسبونها إلىَّ بعد ذلك»، وكلمة «أجندة» هنا مفتاح أساسى، فمجرد الكتابة عن الإسلام أو عن النبى محمد تُقرأ أحيانًا كأنها فعلٌ ذو دوافع خفية، ولهذا تسأل هازلتون نفسها قبل أن يسألها الآخرون: لماذا كتبت عن محمد؟ وتجيب بإجابة تبدو بسيطة، لكنها تختصر الدافع كله: «حين يُطرح علىَّ سؤال: كيف قررتِ الكتابة عن محمد؟ فإن إجابتى الأولى تكون: وكيف لا أفعل؟ فنحن نتحدث عن واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا فى التاريخ. رجل غيّر عالمه جذريًا، ومازال يغيّر عالمنا حتى اليوم، فكيف يعرف كثيرون منا القليل جدًا عنه؟ وكيف أصبح مجرد التفكير فى الكتابة عنه أمرًا مشحونًا بالتوتر؟».
من هنا تدخل المحاضرة إلى مساحتها الكبرى، حيث يتقاطع الدين مع السياسة والإعلام، تقول هازلتون: «مرحبًا بكم فى عالمى.. فى تلك الساحة الواسعة والمتقلبة، حيث تتقاطع السياسة مع الدين»، وتستحضر واقعة الفيديو المسىء للنبى محمد، الذى انتشر عبر الإنترنت، وأثار احتجاجات أدت إلى سقوط قتلى، لكنها لا تقرأ الواقعة بطريقة تبسيطية، فلا تختزلها فى غضب دينى مجرد، ولا فى استفزاز غربى وحيد، بل تفكك شبكة المصالح التى صنعت العاصفة، تقول: «خذوا مثلًا أجواء الشك والمرارة المتجددة فى أحد فصول الصيف، حين أثار فيديو صغير مسىء على يوتيوب يسخر من محمد احتجاجات أدت إلى عشرات القتلى. كانت هناك أجندات كثيرة متورطة، ولم تكن أى منها جيدة».
تعدد هازلتون هذه الأجندات: صناع الفيديو، الذين تصفهم بأنهم «متعصبون ضيقو الأفق»، ثم وسائل إعلام ضخمت المادة، ثم أطراف سياسية وجدت فى الغضب فرصة، تقول: «أجندة المتعصبين ضيقى الأفق الذين صنعوا الفيديو أساسًا، ومتعصبون ضيقو الأفق عبارة تكاد تكون تكرارًا لمعنى واحد، ثم محطة تليفزيونية ممولة عربيًا فى القاهرة التقطت الفيديو وضخّمته إعلاميًا، فبعد أن كان ربما قد شاهده ثلاثون شخصًا فقط، شاهده الملايين».
وتلتقط بذكاء أثر الصورة المقتطعة فى صناعة الانطباع العالمى: «ثم مجلة إخبارية كانت محترمة يومًا، تحاول استعادة نفوذها المتراجع، عبر الإيحاء بأن المسلمين فى كل أنحاء العالم كانوا يثورون فى الشوارع، بينما الواقع أن الأمر اقتصر على بضع مئات من المتطرفين، وأحيانًا مجرد عشرات قليلة. إنه لأمر مدهش ما يمكن فعله عبر قص صورة فوتوغرافية».
هذه العبارة تكاد تلخص زمن الشاشات: ليس الكذب وحده هو الخطر، بل الاقتطاع أيضًا، فالصورة قد تكون صحيحة، لكنها حين تُعزل عن سياقها تتحول إلى شهادة زائفة، عشرات غاضبة يمكن أن تصبح، عبر الكادر المنتقى، «العالم الإسلامى كله»، ومشهد محدود يمكن أن يُستخدم لإدانة حضارة بأكملها.
ولا تعفى هازلتون أحدًا من النقد، فتشير إلى زعيم «حزب الله» الذى حاول استعادة صورته كمدافع عن الإسلام، وإلى وزير باكستانى حاول إخفاء فساده بعرض مكافأة مالية، وإلى كارهى الإسلام فى أمريكا الذين رفعوا خطاب «نحن وهم»، فتقول: «كان هناك زعيم حزب الله، الذى تعرض للهجوم بسبب دعمه للنظام السورى فى حربه الوحشية ضد شعبه، يحاول استعادة صورته كمدافع عن الإسلام، وكان هناك وزير السكك الحديدية الباكستانى، يحاول إخفاء فساده وفشله، بعرض مكافأة قدرها مائة ألف دولار، وكان هناك أيضًا المعتادون من كارهى الإسلام الأمريكيين، الذين وضعوا ملصقات فجة من نوع نحن وهم فى مترو نيويورك وواشنطن. كثيرون كانوا يقفزون إلى العربة نفسها».
وتقصد هازلتون فى محاضرتها شخصيتين سياسيتين تعاملتا مع أزمة الفيلم المسىء للنبى محمد عام 2012 بوصفها فرصة للظهور أو للمزايدة، الأول هو حسن نصر الله، زعيم حزب الله، الذى دعا إلى أسبوع من الاحتجاجات فى لبنان ضد الفيلم، فى لحظة كان حزبه يتعرض فيها لانتقادات بسبب دعمه للنظام السورى، أما الثانى فهو غلام أحمد بلور، وزير السكك الحديدية الباكستانى آنذاك، الذى عرض مكافأة قدرها مائة ألف دولار لمن يقتل صانع الفيلم، فى تصريح أدانته جهات عدة ورفضت الحكومة الباكستانية اعتباره موقفًا رسميًا.
وسط كل هذا الضجيج، تطرح هازلتون سؤالها الأهم: «لكن أين كان محمد نفسه وسط كل هذا؟»، السؤال ليس بلاغيًا فقط، بل هو مركز المحاضرة، فالنبى.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة المصري اليوم



