لا أعرف كم عدد المرات التى زرت فيها المغرب لكنها كثيرة وممتدة على مدار ما لا يقل عن ثلاثين عاما، وفى كل هذه المرات لم أتوقّف عن محبّة المغرب وأهل المغرب، لأننى أعتبر أن هذا البلد يقدم نموذجًا فريدًا للمصالحة بين الأصالة والمعاصرة. مآذن منتشرة فى بلد حاكمها هو أمير المؤمنين، ومطبخ شرقى لذيذ درة تاجه الكسكس والطاچين والبستيلة. جلابيب أشكال وألوان، ومصنوعات خزفية بديعة تختلف نقوشها من كازبلانكا للرباط ومن فاس لمراكش. وحواة وسَحَرَة وقارئون للكفّ ورعاة للغنم فى الصحارى الشاسعة. رسم بالحنّاء، وتاى (شاي) بنكهة مميزة، وزيت الأرجان الذى يدخل فى كل شئ بالمعنى الحرفى للكلمة، وحمّام بلدى هو الأشهر على مستوى الوطن العربى. وهذا كله مع طلاقة فى استخدام اللغة الفرنسية والوعى بثقافة التعامل مع السائحين (أضع تحت هذه الجملة خطوطًا كثيرةً) وبنات يمشين براحتهن فى الشوارع لا يتعرّض لهن أحد (أضع تحت هذه الجملة خطوطًا أكثر)، وكافيهات الرصيف على النمط الأوروبى يعمّره شباب من الجنسين مع حواسب مفتوحة للشغل أو للتسلية. ولعُ بالفلسفة وإنتاج رصين وغزير فى مجالها، وحيوية حزبية ونقابيّة وحركة نسوية قوية، وانتخابات لا تُعرَف نتائجها مسبقًا (وتحتاج هذه الجملة أيضًا لعدة خطوط من تحتها) فعدا توارث الحكم وانتقال السلطة من الملك لأكبر أبنائه أو لمن يختاره من بينهم- فإن كل شئ قابل للتغيير.
الطبيعة فى هذا البلد هى بالتأكيد منحة ربّانية، فالشواطئ الطويلة على البحر المتوسط والمحيط الأطلسى، مع سلاسل جبال أطلس الشاهقة مشهد لا يمكن تفويته. لكن للإنسان دخل كبير فى بروزة هذا الجمال ووضعه فى أفضل إطار ممكن، فالخضرة منتشرة على مدد الشوف وأشجار النخيل ممتدة الظلال تلطّف حرارة فصل الصيف. ومن المشاهد المألوفة فى عدة مدن ذلك المشهد الممتع للمغاربة وهم يفترشون الحدائق العامة فى المساء وعلى مدار الأسبوع. تجمعات كبيرة لأسر وأصدقاء وعشّاق وحتى أفراد بلا صحبة أو ونس يبحثون عن نسمة هواء ومتعة مجانية لمن لا يقدر منهم على ارتياد الحدائق مدفوعة الثمن كحديقة ماچورال البديعة فى مراكش أو حديقة منارة رأس سبارتيل فى طنچة. وبمناسبة الحدائق توجد فى كازابلانكا حديقة كبيرة تحمل اسم حديقة الجامعة العربية، وكانت هذه مفاجأة بالنسبة لى، فكل علمى أن فى مصر وربما فى دول أخرى شارع باسم الجامعة، أما الحديقة فهذا جديد عليّ. ثم أن التخطيط العمرانى حريص على أن تكون لكل مدينة مغربية شخصيتها المستقلة من خلال لون خاص لكلٍ منها، وهذا أيضًا من صنع البشر. وبالتالى فإن مراكش مدينة حمراء، وكازبلانكا مدينة بيضاء، أما شيفشاون أو شيشاون كما ينطقها المغاربة فلا تجد فيها إلا اللونين الأبيض والأزرق فى البيوت والجدران والسلالم والمحلات وإشارات المرور.. مدينة أمازيغية صغيرة جدًا وبسيطة جدًا لكنها تخطف القلب بدون استئذان.
فى المغرب كما فى الدول العربية الأخرى يوجد للفن المصرى دور عظيم فى صنع ضفائر المحبّة والودّ مع شعوب هذه الدول، فمن الصعب أن تفصل الذاكرة بين ساحة جامع الفناء فى مراكش وبين مشهد سعاد حسنى ورشدى أباظة وهما يلتقيان هناك بالصدفة فى فيلم "الحب الضائع" رائعة عميد الأدب العربى طه حسين. ومن بعد فتح هذا الفيلم الطريق لتصوير أفلام مصرية أخرى. "إزيك يا باشا".. جملة كانت.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جريدة الشروق
