من الشرطي القديم إلى الوكيل المشروط: تحولات الوظيفة الجيوسياسية في الشرق الأوسط

كتب- زياد فرحان المجالي

في السياسة الدولية لا تعيش الدول الكبرى على العواطف، ولا تبني تحالفاتها على الوفاء التاريخي وحده، بل على حسابات الوظيفة والجدوى والكلفة. فالحليف الذي كان في مرحلة ما ذخراً استراتيجياً قد يتحول، عند تغيّر الظروف، إلى عبء سياسي وعسكري وأخلاقي. ومن هنا تنبع أهمية إعادة قراءة موقع إسرائيل في الاستراتيجية الأميركية، لا بوصفها حليفاً ثابتاً لا يتغير، بل باعتبارها أداة وظيفية أدت دوراً محدداً في لحظة تاريخية معينة، ثم بدأت تواجه اختبار الصلاحية في لحظة إقليمية مختلفة.

منذ عام 1948، لم تكن إسرائيل مجرد دولة نشأت في سياق طبيعي داخل المنطقة، بل مشروعاً سياسياً وأمنياً دعمه الغرب واحتضنه بوصفه قاعدة متقدمة لحماية المصالح الغربية، وضبط توازنات الشرق الأوسط، ومنع تشكل قوة عربية أو إقليمية قادرة على تهديد ممرات الطاقة أو المصالح الاستراتيجية الكبرى. كانت الوظيفة واضحة: قوة ردع جاهزة، شرطي إقليمي، وسيف مسلط على محيط عربي مفكك.

وقد تعززت هذه الصورة بعد حرب 1967، حين ظهرت إسرائيل في المخيال الغربي بوصفها "جيشاً لا يُقهر ، قادراً على هزيمة جيوش عربية كبرى خلال أيام، وفرض وقائع جغرافية وسياسية جديدة. ثم جاءت حرب 1973 لتفتح باباً آخر؛ فقد أعادت شيئاً من التوازن العسكري والنفسي، لكنها في النهاية قادت إلى مسار تفاوضي أخرج مصر، أكبر جبهة عربية، من معادلة الحرب المباشرة مع إسرائيل. وبذلك انتقلت إسرائيل من وظيفة المواجهة الدائمة إلى وظيفة الهيمنة المريحة، بعدما جرى تأمين جبهاتها الكبرى وتفكيك الخطر العربي النظامي المحيط بها.

لكن قوة الردع لا تعيش إلى الأبد. فالأسطورة حين لا تُختبر تبدو صلبة، لكنها حين تُختبر في الميدان تنكشف حدودها. وقد مثّل السابع من أكتوبر لحظة كاشفة، لا في تاريخ الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي فقط، بل في تاريخ الوظيفة الإسرائيلية نفسها. فإسرائيل التي قُدمت لعقود كقوة قادرة على الحسم السريع وجدت نفسها أمام حرب طويلة ومكلفة، عاجزة عن إنتاج نصر واضح، وغير قادرة على استعادة كامل هيبتها، رغم الدعم الأميركي والغربي غير المحدود.

الأخطر من ذلك أن إسرائيل لم تعد تبدو، في نظر بعض دوائر القرار الغربية، أداة لضبط الفوضى، بل طرفاً يوسّع دائرتها. فهي تستهلك الذخائر، وتستدعي الدعم السياسي، وتحرج حلفاءها أخلاقياً، وتدفع واشنطن إلى أزمات إقليمية لا تريدها. وحين يصبح الحليف بحاجة دائمة إلى الإنقاذ، يبدأ السؤال الصعب: هل ما زال يؤدي الوظيفة التي صُمم من أجلها؟

في المقابل، برزت إيران بوصفها رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه. صحيح أنها خصم للولايات المتحدة في الخطاب والتحالفات، لكنها أثبتت أنها تمتلك ما لا تملكه إسرائيل: عمقاً جغرافياً واسعاً، وكتلة بشرية كبيرة، وصبراً استراتيجياً، ونفوذاً ممتداً عبر ساحات متعددة، وقدرة على التأثير في ممرات الطاقة، وفي مقدمتها مضيق هرمز. وهذه النقطة تحديداً هي جوهر التحول؛ فالدولة التي تستطيع التأثير في إيقاع الاقتصاد العالمي لا يمكن التعامل معها كطرف هامشي، بل كقوة لا بد من احتوائها أو التفاهم معها أو إعادة دمجها بشروط جديدة.

من هنا يمكن فهم احتمال حدوث مراجعة أميركية عميقة، لا تقوم بالضرورة على التخلي عن إسرائيل، بل على إعادة توزيع الوظائف في المنطقة. فواشنطن قد لا تستبدل إسرائيل بإيران بشكل مباشر، لأن العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جو ٢٤

منذ 3 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 50 دقيقة
منذ 3 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 4 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 4 ساعات
قناة المملكة منذ ساعة
قناة المملكة منذ 17 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 4 ساعات
خبرني منذ 8 ساعات
قناة المملكة منذ 16 ساعة
خبرني منذ 6 ساعات
خبرني منذ 5 ساعات