ما وراء القوة والحرب لبرتران بادي

في كتابه «»Par-del la puissance et la guerre:La myst rieuse nergie sociale (ما وراء القوة والحرب: الطاقة الاجتماعية الغامضة) الصادر حديثا عن دار أوديل جاكوب Odile Jacob الفرنسية، يسلط عالم الاجتماع والعلوم السياسية الفرنسي برتران باديBertrand Badie الضوء على المظاهر والمشكلات والمآزق الناتجة عن التفاعل الدولي الراهن، وما يصاحبها من تحولات تتصدرها تلك «القوة» التي تزداد راديكالية وابتعادا عن الأنموذج «الهوبزي» القديم، ولاسيما مع «التقارب الغريب (أو الألفة المريبة) بين القوة والليبرالية المتطرفة (الألتراليبرالية L ultralib ralisme)» كتقارب خصص له المؤلف فصلا كاملا بالعنوان نفسه يكشف مركزية دور الألتراليبرالية في الحروب وكيفية تحول القوة إلى أداة للمنافسة العالمية على نحو شرس.

يشير برتران بادي إلى أن التوتر الحاصل بين القوة المعاد ابتكارها بسذاجة وبين «الطاقة الاجتماعية» (L nergie sociale) المتنامية هو الخيط الناظم لكتابه الجديد، ويشكل جوهر اللغز الذي يميز هذا العالم الجديد (ص16). فهذه «القوة اليتيمة La puissance orpheline» التي يتأتى يتمها من فقدانها ركائزها التقليدية، أي النظام والشرعية، ومن تحولها إلى قوة وحيدة وهائمة وتائهة في عالم لا يحترم قواعدها القديمة، باتت قادرة على القتل والتدمير، لكنها عاجزة في الوقت عينه عن إنتاج حل أو نظام جديد.

تكمن أهمية الإصدار الجديد لبرتران بادي في كيفية تفكيكه المشهد السياسي الدولي بأدوات سوسيولوجية قابضة على المحركات الاجتماعية الجديدة للحياة الدولية، واشتغاله على تصادي الديناميات الاجتماعية والسياسية، وتقاطعاتها وتشابكاتها وتنابذاتها. فما أفرزته العولمة وطفرة الاتصالات وارتفاع مستويات التعليم والتداخل المتزايد بين السياسي والاجتماعي والتفاعل المتبادل بين الدول وتأثير التكامليةl effet de compl mentarit وغيرها من الظواهر الحديثة تتنافى مع الرؤية التقليدية والنوستالجية للقوة، أو ربما مع مفهومها المكيافيلي حيث القوي هو المنتصر دوما والقادر على فرض إرادته ونظامه؛ بحيث إن «الطاقة الاجتماعية» المنبثقة من الحداثة (ذات الأشكال المتباينة: انتفاضة، تعاطف، استياء، نفور، غضب..) تجعل هذه القوة أمرا نسبيا، فهي «تربك الاستراتيجي، وتتحدى الحاكم، وتفاجئ المراقب، وتعيد تشكيل الحدث»؛ المشكلة لديه تتمثل، باختصار، في استخدام «أدوات وقواعد» من الماضي لم تعد تصلح لعالم اليوم المعقد والمتداخل، ولا لتحديات القرن الحادي والعشرين. ففي عالم اليوم بإمكان «القوي» أن يكسب المعارك، لكنه عاجز من دون أدنى شك عن تحقيق «نصر» سياسي حقيقي أو استقرار دائم.

والأمثلة التي أوردها الكاتب ومقارناته بين الاستعمار الفرنسي في الجزائر (1957)، والتدخل الأمريكي في كمبوديا (بين 1969 و1973)، والحرب الإسرائيلية على غزة (منذ أكتوبر2023)، تؤكد ذلك، لا سيما أن القوة المفرطة لا تقضي على الحركات الاجتماعية، بل تزيد من شعبيتها وقدرتها على التجنيد.

«تنمية الوعي النقدي»

«تنمية الوعي النقدي» (Conscientisation) هو المفهوم الذي طوره المنظر البرازيلي باولو فريري واستند إليه برتران بادي لتبيان أن الحروب والأزمات، وإن كانت تدمر المجتمعات ماديا، إلا أنها تؤدي أيضا إلى «توعية» الناس بواقعهم وبموازين القوى، وبالتالي إلى خلق وعي جمعي جديد رافد لـ«الطاقة الاجتماعية» التي تعجز القوة العسكرية عن كبحها أو السيطرة عليها، بقدر ما يصبح من العسير للحلول السياسية التقليدية (مثل الاتفاقيات، والبرلمانات وغيرها) أن تحتوي دينامياتها.

فمن هاييتي إلى بورما والكونغو والسودان والقرن الأفريقي واليمن ومعاناة ناس هذه المناطق من المواجهات وانعدام الأمن الغذائي والكوليرا وسوء التغذية، وحيث بحلول نهاية عام 2024، كان نصف سكان السودان بحاجة إلى مساعدات إنسانية، فضلا عن 26 مليونا في القرن الأفريقي و21 مليونا في اليمن، في ظل عجز وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية عن الاستجابة إلا لنصف هذه النداءات، لم تعد المسألة تتعلق بمجرد «أضرار جانبية»، بل بإعادة تشكيل شاملة للمجتمع على نحو لم يسبق له مثيل؛ إذ تتغير بعمق وبشكل دائم البنية الاجتماعية، والهويات، والمعتقدات، بما يمنح السيولة الاجتماعية المنبثقة عن ذلك دينامية تفلت تماما من الأطر السياسية (راجع ص44). وبهذا تصبح الحرب، وبعكس الحروب الماضية، حالة دائمة (Perp tuit ) تلازم المجتمعات التي تفتت نسيجها، وانتقلت صراعاتها من خانة «السياسة» إلى خانة «الوجود الاجتماعي».

في حين «جعلت المفاضلة بين الديمقراطيات والأنظمة الاستبدادية بمثابة الألف والياء (الأساس المطلق) في التحليلات السياسية، بما في ذلك العلاقات الدولية؛ مع إغفال أن هناك ديناميات خفية قد تدفع الديمقراطيات إلى ابتكار ممارسات جديدة تقربها من الأنظمة الاستبدادية» (ص16-17).

في «عجز القوة»

من عجز القوة عن مواجهة المجتمعات، ينتقل برتران بادي إلى تحليل فشلها في الإطار الدبلوماسي، مستفيضا في الإضاءة على نماذج من التحالفات، مثل التحالف البراغماتي L alliance pragmatique، والتحالف المحافظ أو التقليدي L alliance conservatrice، والتحالف الأمنيL alliance s curitaire، وتحالف المعسكرات L alliance campsite... مستنتجا تفضيل القوى العظمى «المواثيق الوظيفية» على التحالفات العسكرية الكاملة لتقليل الأعباء المالية والسياسية، ناهيك بالتبعية المتبادلة كاستراتيجية تربط الدول اقتصاديا وتقنيا وجيوسياسيا لضمان الأمن من دون الحاجة إلى التزام دفاعي مكلف (تحالف عسكري تقليدي) كما كان عليه الحال في الماضي (راجع ص68).

انطلاقا من كل ما ورد يقول: «تستعرض القوة اليوم بإفراط وفي كل مناسبة، على الرغم من أنها تعاني من أزمة حادة على مستوى الفاعلية؛ فهي تثير الرهبة لأننا نعلم قدرتها التدميرية الهائلة، لكنها تثير التساؤل لأنها لم تعد تملك تلك البساطة المقنعة التي كانت عليها في الماضي، ولا العائد أو النتائج الذي اعتدنا عليه آنذاك» (ص75)، وليعود ويتساءل بعد قليل: «كيف يمكننا أن نفهم أن القوي لم يعد ينتصر، وأن الضعيف بات يغلب بشكل متزايد، أو يمتلك على الأقل قدرة مذهلة على الصمود؟ وماذا نقول عن هذه النيوليبرالية المنتصرة في نهاية القرن الماضي، والتي كان من المفترض أن تؤذن بـ»نهاية التاريخ«، لكنها على العكس من ذلك، أطلقت شرارة ثورات من كل نوع، مخلخلة كل هيمنات الماضي، لتطيح في نهاية المطاف بالازدهار الكامل الذي وعدت به»مدرسة شيكاغو؟«(ص78) [مدرسة شيكاغو بقيادة»ميلتون فريدمان«، بشرت بالسوق الحرة المطلق كطريق للرفاه].

القوة المعاد ابتكارها

ينتقل.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ 4 ساعات
منذ 17 دقيقة
منذ 57 دقيقة
منذ 5 دقائق
منذ 11 ساعة
منذ 3 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 3 ساعات
صحيفة عاجل منذ 18 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 9 ساعات
صحيفة سبق منذ ساعة
صحيفة سبق منذ ساعتين
صحيفة عكاظ منذ 5 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 18 ساعة
صحيفة عكاظ منذ 4 ساعات