لما أمر السُّلطان حسن خادمَه بأن يأخذ رشفةً من الشَّراب؛ امتثل الخادمُ مرتعشًا ثم سقط يتلوى ألمًا؛ فتأكَّدت الشكوكُ وانكشفت الخُطة. شاهدنا ضِمن أعمالٍ درامية متنوعة، الملكَ الخائف وهو يطلب من الطاهى أن يتذوَّقَ الطعامَ الذى صنع، فإن سَلِم ولم يُصِبه سوءٌ؛ أكلَ الملكُ واستمتَع بالطيبات، وإن حدثْ غير ذلك؛ وَقع الخائن فى شرّ أعماله وانطبق عليه المثلُ الشعبىّ الذى يقول: «طبَّاخ السمّ بيدوقه».
الطبَّاخُ على أرض الواقع مجرَّد مجاز، يُدلل على كلّ من سعى لإيذاء الآخرين، والقَّصد بيِّنٌ وصريح؛ إذ الأفعالُ الخبيثة تعود فى نهاية الأمر على فاعلها، والفخاخُ تقتنصُ فى كثير الأحيان مُدبرَها.
تعلمنا خلال مراحل الدراسة الأولى حكمةً عربيَّة أصيلة، حفظناها وكرَّرناها عشرات المرات صغارًا، واستخدمناها فى عديد المواقف كبارًا: «مَن حَفَر حُفرةً لأخيه وَقع فيها». المعنى ظاهر ومباشر؛ لا يحتاج تفسيرًا، والحقيقة أن ذِكرَ «الأخ» على وَجه التحديد يُشدد من وطأة المَذمَّة المطروحة، ويُحقر مكانة صانعِ الحفرة؛ إذ رابطةُ الأخوَّة مُقدَّسةٌ بحكم الأعراف والتقاليد، مُنزَّهة عن الصغائر مهما تعقَّدت الظروف، ومَصونة بما يُبعدها عن أمور الكيد والخِداع والتضليل؛ فإن يخرقَ الأخُ عهودَ الثقة ويخونها وينزَع عنها منعتها وحصانتها؛ تكُن العاقبةُ شديدة.
لا تسير الحياةُ دومًا فى خط مستقيم؛ فكثيرًا ما يُفلِت المرءُ بما ارتكب دون أن يصيبَه سُوء؛ يحفُر فيسقُط الآخرون، وتتوالى قفزاته فينظرون إلى ما يُحرِز مِن مكاسِب حانقين؛ والظنُّ أن العدالةَ المُكتمِلة الشاملة لا محلَّ لها سوى فى الخيال؛ لكن السَّعى لتحقيقها يجعلُ الحياةَ مُحتملةً إلى حدٍ بعيد، ولا جدال أن السَّعيَ فى حد ذاته فوزٌ مشهود؛ ولو لم يحرز السَّاعون انتصارات دامغة، ولو نالوا من المُراد أقلَّ القليل.
تؤكد الأمثولةُ التى يُتقِن الجميع ترديدَها دون النجاح فى التطبيق أن: «من جدَّ وجد ومن زَرَع حصد». تلك نتيجةٌ منطقية يؤدى إليها بذلُ الجَّهد؛ ما لم تنتصب فى الطريقِ العوائقُ وتتناثر العراقيل. يربطُ الأسلوب الشرطىّ الحاسم بين الاجتهاد فى العمل والمُحصلة المُجزِيَة؛ فى حين تخلو العبارة من أيّ توقيت وذاك أمر مَفهوم؛ فالحصاد فى مُعظم الأحوال مرحلةٌ لاحقة؛ قد تستغرقُ فترةً زمنيَّة طويلة، والصَّبر إذًا مطلوب من أجلِ الوصُول إلى الهدف، والجائزةُ وإن تأجَّلت؛ حتمًا آتية.
فى الإشارة إلى اتزان الرد وملائمته وتساويه مع الفعل يُقال: «دقَّة بدقَّة». التعبير مُختصر مُكثَّف، وهو أقلّ شيوعًا من غيره؛ لكنه موفَّقٌ فى توصيل المعنى المرغوب الذى تتجَلى العدالة من.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جريدة الشروق
