السعودية والجنوب : وصاية بلا خدمات

مع دخول محافظات جنوب اليمن، وفي مقدمتها العاصمة عدن ومحافظة حضرموت، صيفًا جديدًا من الانقطاعات الطويلة للكهرباء ونقص الوقود وتدهور الخدمات الأساسية، لم تعد هذه الأزمة تُقرأ بوصفها خللًا في قطاع متهالك، أو فشلًا حكوميًا منفصلًا عن السياق السياسي الأوسع. فقد تحولت ساعات الظلام الطويلة، وتعثر إمدادات المياه، وتعثر بعض الرحلات الجوية نتيجة نقص الوقود، وتأخر صرف المرتبات، وارتفاع الأسعار، واتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية، إلى مؤشرات على أزمة أعمق، تتجاوز حدود المؤسسات المحلية إلى سؤال النفوذ الفعلي في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية.

في قلب هذا السؤال تقف السعودية، بوصفها الطرف الأكثر حضورًا وتأثيرًا في معادلة القرار السياسي والعسكري والمالي داخل هذه المناطق. فمنذ تدخل التحالف العربي عام 2015 بقيادتها، لم يقتصر الدور السعودي على الدعم الخارجي للحكومة اليمنية في مواجهة الحوثيين "الانقلابيين"، بل تطور تدريجيًا إلى نفوذ واسع داخل مؤسسات الشرعية بما فيها الرئاسة والحكومة المركزية، وامتد إلى ملفات الأمن والاقتصاد والتمويل والخدمات.

ومع تراجع الحضور الإماراتي المباشر في بعض الملفات، وانفراد السعودية بيمن الحكومة الشرعية بشكل مطلق منذ مطلع عام 2026، بدا الدور السعودي أكثر وضوحًا في جنوب اليمن، ومعه أيضًا كان واضحًا حجم المسؤولية التي يفرضها هذا الدور الوصائي.

وقد طرح اتساع النفوذ معضلة لا يمكن تجاوزها، فإذا كانت الرياض تملك هذا القدر من التأثير على القرار اليمني، فلماذا لا ينعكس ذلك على حياة السكان اليومية؟ وإذا كانت السعودية قادرة على التحكم بالتوازنات السياسية والعسكرية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، وإعادة صياغة المشهد كما تريد، وضرب أطراف محلية كما حصل مع المجلس الانتقالي الجنوبي، فإلى أي مدى يمكنها أن تظل في موقع الداعم الخارجي لا الطرف المسؤول عن نتائج هذا النفوذ، بما في ذلك المسؤولية تجاه الالتزامات الطبيعية للحكومات والدول تجاه السكان؟

لا تنفي هذه الأسئلة مسؤولية الحكومة اليمنية والسلطات المحلية والقوى المسيطرة على الأرض عن الفشل الإداري والمالي وتدهور الخدمات. كما لا تتجاهل طبيعة الأزمة البنيوية التي يعاني منها القطاعات الخدمية والمعيشية، وحالة الحرب التي تعيشها البلاد مع الحوثيين وتداعياتها بما في ذلك توقف صادرات النفط منذ 2022 وتراجع الإيرادات. لكنها تضع هذه العوامل داخل إطار أوسع، حيث تقف السعودية على رأس هذه الملفات بنفوذ لا ينافس، ومسؤولية لا تقبل الشك ولا التأويل.

الدور الوصائي السعودي

في المرحلة الأولى من الحرب، ظهر الدور السعودي بوصفه جزءًا من قيادة التحالف العربي، وهو تحالف انطلق لدعم الشرعية اليمنية وقتال الحوثيين بقيادة السعودية والإمارات وبمشاركة متفاوتة لدول عربية انسحب بعضها لاحقًا ليترك هذا التحالف بصيغة ثنائية سعودية إماراتية.

ومع مرور الوقت، بدا أن النفوذ داخل المناطق المحررة من الحوثيين توزع بين الرياض وأبوظبي، وهي أراضي جنوب اليمن بنسبة غالبة مع بعض المديريات في محافظتي مأرب وتعز وجيوب في محافظات شمالية أخرى.

كان الحضور الإماراتي أكثر بروزًا في عدن والمحافظات المجاورة وساحل حضرموت، وهي مناطق سيطرة حليفها الوثيق المجلس الانتقالي خصوصًا بعد اتفاق الرياض في 2019 بينه وبين الحكومة اليمنية التي يتمتع حزب الإصلاح الإسلامي بنفوذ كبير فيها. ومقابل هذا الحضور الإماراتي، احتفظت السعودية بالنفوذ الأوسع على الحكومة اليمنية وعلاقاتها الخارجية، ومجلس القيادة الرئاسي الذي تشكل عام 2022 والملف السياسي العام، مع إشراف واضح على الملف الشمالي والقوات الشمالية في مأرب والحدود اليمنية السعودية.

لكن هذه المعادلة، التي كان واضحًا من البداية أنها تتسم بطابع تنافسي متصاعد، تغيرت تدريجيًا مع انحسار الحضور الإماراتي تدريجيًا، حتى يناير 2026 عندما سحبت أبوظبي أخر ضباطها من جنوب اليمن تحت التهديد السعودي اليمني، وما لحق ذلك من قصف جوي سعودي بالتزامن مع الدفع بقوات محلية شمالية على الأرض لقتال القوات العسكرية الجنوبية التابعة للمجلس الانتقالي، وإخراجها من حضرموت والمهرة بعد شهر من عملية عسكرية (المستقبل الواعد) هدفت لتأمين المحافظتين.

وقد امتدت الإجراءات السعودية إلى عدن وبقية المحافظات، وشملت ترتيبات وتغييرات في البنية العسكرية والسياسية القائمة عبر قرارات رئيس مجلس القيادة الرئاسي المقيم في الرياض، التي شملت عزل اثنين من أعضاء المجلس من هم رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي ونائبه، وتشكيل حكومة جديدة مع استبعاد مشاركة الانتقالي. وهو ما جعل النفوذ السعودي في مرحلة غير مسبوقة، ومعه كانت التوقعات بتغيير في الواقع المعيشي والخدمي حيث كانت كثير من الحجج والمبررات لهذا التدهور هو تعدد مراكز القرار والتنافس الداخلي بين المجلس الانتقالي وقوى يمنية داخل الحكومة.

لكن استمرار التدهور بل وتفاقمه بعد ستة أشهر من هذه التطورات فرض أسئلة وملاحظات في الشارع الجنوبي. المحلل السياسي سالم المرشدي قال لمركز سوث24 إن الشارع الجنوبي ينظر إلى الدور السعودي بكثير من التوجس والريبة، حيث تركت الرياض موقع الحليف الداعم المفترض، وانتقلت إلى موقع اللاعب الإقليمي الساعي إلى فرض توازنات تخدم مصالحه أولًا، حتى وإن جاء ذلك على حساب الاستقرار المعيشي والأمني في الجنوب.

ويرى المحلل السياسي صلاح السقلدي أن طبيعة الدور السعودي في اليمن، وخصوصًا في محافظات الجنوب، أصبح اليوم أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. وقال لمركز سوث24 إن التدخل السعودي منذ البداية لم يكن، من وجهة نظره، يستهدف دعم الشرعية بقدر ما كان يهدف إلى فرض النفوذ وترسيخ المصالح السعودية وتعزيز السيطرة على الأرض تحت عنوان استعادة الشرعية.

من يملك القرار يتحمل المسؤولية

يؤكد سالم المرشدي أن تحميل السعودية الجزء الأكبر من المسؤولية حول الأوضاع المعيشية والخدمية لا يعني تبرئة الحكومة اليمنية أو السلطات المحلية. لكنه.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من عدن تايم

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من عدن تايم

منذ 41 دقيقة
منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ 5 ساعات
منذ 50 دقيقة
منذ 43 دقيقة
صحيفة عدن الغد منذ ساعة
المشهد العربي منذ 14 ساعة
المشهد العربي منذ 9 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ 5 ساعات
عدن تايم منذ 18 ساعة
عدن تايم منذ ساعتين
صحيفة عدن الغد منذ ساعة
المشهد العربي منذ 11 ساعة