في ظل التحديات التي تواجه سلاسل الإمداد العالمية، تضع الإمارات توطين 25% من إمداداتها الغذائية ضمن أولوياتها الاستراتيجية، في خطوة تستهدف تعزيز المرونة الاقتصادية والأمن الغذائي على المدى الطويل.

كشفت جائحة كوفيد-19 في عام 2020 هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، وأعادت إلى الواجهة تساؤلات حول قدرة الدول على تأمين احتياجاتها الغذائية في أوقات الأزمات. وبالنسبة إلى الإمارات، التي تعتمد على الاستيراد لتوفير نحو 80% من منتجاتها الزراعية وفق بيانات عام 2024، كانت الرسالة واضحة: تعزيز الإنتاج المحلي لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية.

وبعد ست سنوات من تلك الأزمة، تترجم الإمارات هذا التوجه إلى هدف محدد يتمثل في رفع مساهمة المنتجات المحلية في سلاسل التوريد الغذائية.

وفي هذا السياق، أطلقت وزارة التغير المناخي والبيئة في يناير/كانون الثاني مبادرة "المنتجات المستدامة"، التي تدعو الفنادق والمطاعم إلى الحصول على 25% من احتياجاتها الغذائية من المزارع المحلية.

ورغم أن المبادرة لا تزال ذات طابع استرشادي، فإنها تمثل جزءًا من رؤية أوسع تتبناها الدولة من خلال الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2051، التي تستهدف جعل الإمارات الدولة الأولى عالميًا في مؤشر الأمن الغذائي، إلى جانب رفع نسبة الإنتاج المحلي إلى 50% من إجمالي الاحتياجات الغذائية بحلول عام 2051.

وتعكس نتائج الإمارات في مؤشر الأمن الغذائي العالمي التقدم الذي حققته بالفعل، إذ جاءت في المرتبة 23 عالميًا والأولى على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال عام 2022، مسجلة 75.2 نقطة من أصل 100، مقارنة مع 71 نقطة في العام السابق.

لا تقتصر قضية الأمن الغذائي في الإمارات على تأمين الإمدادات فحسب، بل ترتبط أيضًا بفرصة اقتصادية ضخمة داخل واحد من أسرع القطاعات نموًا في الدولة.

فقد بلغت قيمة قطاع خدمات الأغذية في الإمارات 18.9 مليار دولار خلال عام 2025، مسجلًا نموًا سنويًا بنسبة 1.6%، بينما تشير التقديرات إلى أنه سيتجاوز 41.8 مليار دولار بحلول عام 2033، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 11.45%.

وبالنسبة إلى وسام عباس، المدير التنفيذي لقطاع منطقة الخليج في شركة الظاهرة، التي تعد إحدى أكبر شركات الأعمال الزراعية في المنطقة، فإن هذا النمو يمثل فرصة لإعادة توجيه جزء من الإنفاق الغذائي نحو المنتجين المحليين بدلًا من الاعتماد شبه الكامل على الواردات.

ويقول عباس إنه ترك عمله في مجال الاستشارات الاستراتيجية للمساهمة في معالجة هذه القضية، مضيفًا: "اعتبرت ذلك واجبًا".

لكن السؤال الذي يطرحه اليوم لا يتعلق بالرغبة في التغيير بقدر ما يتعلق بمدى جاهزية البنية التحتية لدعمه، خاصة إذا كانت الدولة تسعى إلى توجيه جزء من سوق خدمات الأغذية البالغة قيمته 18.9 مليار دولار نحو الإنتاج المحلي.

ولا تنفرد الإمارات بهذا التحدي، إذ تعتمد دول مجلس التعاون الخليجي كافة على الاستيراد لتأمين ما يصل إلى 85% من احتياجاتها الغذائية، وهو ما دفعها إلى تبني نهج إقليمي مشترك عبر الاستراتيجية الخليجية الموحدة للأمن الغذائي.

وفي أنحاء المنطقة، تتسارع الجهود لتحقيق أهداف مماثلة. ففي السعودية، بلغ الناتج المحلي الإجمالي الزراعي 30.4 مليار دولار (114 مليار ريال سعودي) خلال عام 2024، بينما تضع رؤية 2030 تحقيق الاكتفاء الذاتي في عدد من السلع الأساسية ضمن أولوياتها.

كما تستهدف قطر، من خلال استراتيجيتها الوطنية للأمن الغذائي 2030، الوصول إلى اكتفاء ذاتي بنسبة 55% في الخضروات و100% في منتجات الألبان والدجاج الطازج.

أما سلطنة عمان، فتراهن على رؤية 2040 ومشروع مدينة "سهام" الزراعية البالغة قيمته 4.2 مليار دولار لتحقيق زيادة بنسبة 30% في إنتاجها الغذائي.

التركيز على البنية التحتية بالتوازي مع الجهود الرامية إلى تعزيز الإنتاج المحلي، تركز بعض الشركات على جانب مختلف من معادلة الأمن الغذائي، يتمثل في بناء البنية التحتية اللازمة لضمان وصول الغذاء إلى الأسواق.

ومن هذا المنطلق، أوقفت شركة الظاهرة عمليات الزراعة الداخلية قبل عدة سنوات. ويقول وسام عباس، المدير التنفيذي لقطاع منطقة الخليج في الشركة، إن القرار جاء في إطار توزيع الأدوار داخل منظومة الغذاء الإماراتية، بحيث تتولى جهات مختلفة جوانب متباينة من سلسلة الإمداد.

وبدلًا من الاستثمار في الزراعة الداخلية، ركزت الشركة على تطوير المرافق التي تدعم تدفق الغذاء عبر مختلف مراحل السلسلة.

وتشمل هذه الاستثمارات منشأة لطحن الأرز بطاقة إنتاجية سنوية تبلغ 120 ألف طن، ومزرعة ألبان في العين تضم نحو 1600 بقرة حلوب، إضافة إلى محطة استراتيجية للحبوب في الفجيرة بسعة تصل إلى 300 ألف طن.

ومع الاضطرابات التي شهدتها حركة الشحن في المنطقة خلال الشهرين الماضيين، اكتسبت هذه البنية التحتية أهمية إضافية، إذ تحولت الفجيرة إلى نقطة الدخول الرئيسية للحبوب إلى الإمارات.

لا يُقاس الأمن الغذائي فقط بحجم الحبوب المخزنة أو القدرة على تأمين الواردات في أوقات الأزمات، بالنسبة إلى عباس، حيث يرى أن الهدف الأبعد يتمثل في بناء قيمة مضافة داخل الدولة، عبر رفع مستويات الاكتفاء الذاتي في منتجات أساسية مثل الدقيق واللحوم الحمراء والأعلاف، من خلال توسيع الإنتاج والتصنيع المحليين.

وفي هذا السياق، يعتبر عباس أن الدعم الحكومي يمثل أحد الأدوات المهمة لتحقيق هذه الأهداف، لكنه يشدد على أن تأثيره يرتبط بكيفية تصميمه وتنفيذه. ويقول: "أعتقد أن الدعم الحكومي ضروري".

وتوجد بالفعل نماذج قائمة لهذا النوع من الدعم. فبحسب بيانات وزارة الزراعة الأميركية، تدير هيئة أبوظبي للزراعة والسلامة الغذائية برنامجًا لدعم الأعلاف بأسعار ثابتة، يوزع أكثر من 1.2 مليون طن من الأعلاف المدعومة سنويًا.

ويستفيد من البرنامج المزارعون الإماراتيون وشركات الأعمال الزراعية المملوكة للحكومة، الذين يمكنهم شراء الأعلاف والحبوب العلفية بأسعار تقل عن مستويات السوق.

لكن الصورة تختلف في قطاع المحاصيل سريعة التلف، الذي يُعد الأكثر ارتباطًا بمبادرة توجيه الفنادق والمطاعم للحصول على 25% من احتياجاتها الغذائية من الإنتاج المحلي. فحتى الآن، لم تظهر برامج دعم مماثلة بالحجم نفسه المطبق في قطاع الأعلاف.

ويرى عباس أن المسألة لا تتعلق بوجود الدعم من عدمه، بل بطريقة توجيهه. ويقول: "إن كيفية توجيه الدعم والمجالات التي يُطبق فيها تبقى في النهاية قرارًا سياسيًا تتخذه الحكومة".

تحديات الزراعة المحلية رغم الطموحات الرامية إلى زيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي، لا تزال الزراعة في الإمارات تواجه معادلة اقتصادية معقدة تجعل المنافسة مع الواردات تحديًا مستمرًا.

فبحسب حسن مفيد الحلوي، الرئيس التنفيذي لمجموعة إيليت أجرو القابضة، تتطلب الزراعة في الدولة استثمارات كبيرة في البنية التحتية، تشمل البيوت المحمية وأنظمة الري المتطورة، فضلًا عن تكاليف التشغيل المرتفعة.

ويقول الحلوي: "مقارنة بالدول الأخرى المحيطة بنا التي تنتج المنتجات نفسها، نحتاج إلى استثمار ما لا يقل عن عشرة أضعاف في البنية التحتية لإنتاج منتجات مماثلة، لذلك علينا أن نكون أكثر كفاءة وإنتاجية للحفاظ على قدرتنا التنافسية".

ولا تقتصر الفجوة على تكاليف البنية التحتية فقط، إذ يشير إلى أن تكلفة العامل الواحد في الإمارات تبلغ نحو 1500 دولار شهريًا ضمن عملياته التشغيلية، بينما لا تتجاوز نحو 50 دولارًا في بعض الدول المجاورة المنافسة.

كما تستفيد تلك الدول من انخفاض قيمة عملاتها، ما يسمح لها بتسعير منتجاتها بطريقة تمنحها أفضلية داخل السوق الإماراتية المفتوحة، وهو ما يضع المنتجين المحليين.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من فوربس الشرق الأوسط

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من فوربس الشرق الأوسط

منذ 11 دقيقة
منذ 4 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 16 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 8 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 8 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 20 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 6 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 10 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 17 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 17 ساعة