أثير| ياباني في مسقط قبل قرن: كيف استقبل السلطان تيمور الرحالة جيوكو شيغا عام 1924؟. ما الذي دار بينه وبين السلطان في اللقاء النادر؟. ما قصة العرس في مسقط؟. ما الذي كتبه عن عُمان؟.

أثير- د. محمد بن حمد العريمي

في مطلع عشرينيات القرن الماضي، وبينما كانت سلطنة عُمان ما تزال بعيدة عن مسارات السياحة العالمية ووسائل النقل الحديثة، وصل إلى مسقط رحّالة ياباني يُدعى جيوكو شيغا، في زيارة تُعد من الزيارات الآسيوية القليلة الموثّقة لعُمان في تلك الفترة، وقد دوّن شيغا مشاهداته وانطباعاته عن البلاد وأهلها، تاركًا شهادة تاريخية نادرة عن عُمان في عهد السلطان تيمور بن فيصل.

بطاقة يابانية تفتح أبواب القصر السلطاني

تكشف مذكرات شيغا شيجيتاكا عن مقدار الحماسة التي كانت تعتمل في نفسه خلال زيارته لمسقط؛ فبعد الموقف الطريف الذي وجد نفسه فيه وسط موكب الزفاف، والذي انتهى بقيامه بإنشاد النشيد الوطني الياباني كيميغايو ، واصل طريقه نحو القصر السلطاني أملاً في تحقيق الهدف الأهم من رحلته، وهو لقاء السلطان تيمور بن فيصل.

ويصف شيغا القصر السلطاني بأنه مبنى مكوّن من ثلاثة طوابق شُيّد بمحاذاة البحر، بحيث تبدو أمواجه جزءًا من المشهد المحيط به. وعندما وصل إلى البوابة، استوقفه أحد الحراس وسأله عن هويته، فما كان منه إلا أن قدّم بطاقة تعريفه المكتوبة باللغة اليابانية.

ويذكر أن الحارس أخذ البطاقة ودخل بها إلى القصر، ثم خرج بعد قليل رجل يرتدي أحذية غربية ويتحدث الإنجليزية بصعوبة، وقد تبيّن لاحقًا أنه أحد كبار تجار بلوشستان المقيمين في مسقط، وكان على صلة بالقصر السلطاني.

شرح شيغا للرجل سبب زيارته قائلاً: " لقد جئت من اليابان البعيدة عن عُمان، وأرغب في نيل شرف مقابلة السلطان لبحث سبل تعزيز الصداقة بين البلدين، ولأنقل إلى أبناء بلادي صورة حقيقية عن السلطان وعُمان"، ولم تمض سوى دقائق قليلة حتى عاد الرجل حاملًا بشرى قبول الطلب، وأخبره بأن السلطان وافق على استقباله.

ويستوقفنا في هذه الرواية جانب مهم من العادات الاجتماعية السائدة في عُمان آنذاك؛ إذ لاحظ الرحالة الياباني أن جميع الموجودين داخل القصر كانوا حفاة الأقدام، بمن فيهم التاجر الذي كان جالسًا على الأرض، وقد أُبلغ بأن من التقاليد العربية المتبعة عدم ارتداء الأحذية عند مقابلة كبار السن وأصحاب المقام الرفيع.

ولما همّ شيغا بخلع حذائه احترامًا لهذه العادة، أسرع التاجر إليه قائلًا إن بإمكانه الدخول بحذائه باعتباره ضيفًا أجنبيًا، إلا أن الرحالة الياباني أصر على خلعه قبل الدخول، تعبيرًا عن احترامه للتقاليد المحلية وحرصه على الالتزام بالأعراف السائدة في المجتمع العُماني.

وتُظهر هذه الحادثة جانبًا من الاحترام المتبادل الذي طبع اللقاء منذ لحظاته الأولى؛ فبينما بادر القصر السلطاني إلى الترحيب بضيف جاء من أقصى شرق آسيا دون موعد مسبق، حرص الضيف بدوره على إظهار تقديره لعادات البلد وأهله، في مشهد يجسد واحدة من أقدم صور التواصل الإنساني والثقافي بين عُمان واليابان في العصر الحديث.

في حضرة السلطان

يصف شيغا في مذكراته تفاصيل لقائه بالسلطان تيمور بن فيصل حيث يذكر: عندما دخلتُ الغرفة، كان يجلس بهدوء على أريكة رجلٌ أنيق في نحو الأربعين من عمره، بدا لي شبيهًا بالفيلسوف والإستراتيجي الصيني الشهير تشوغه ليانغ (181-234م)، كان يجلس في زاوية بعيدة من الغرفة بالقرب من شرفة تُطل على البحر. وقد بدا لون بشرته أكثر بياضًا من معظم العرب الذين رأيتهم، وكان يحتفظ بشاربٍ مهذّب، ويضع على رأسه عمامة بيضاء ناصعة من الحرير الكشميري.

وفي تلك اللحظة همس أحد الحاضرين بصوت خافت: جلالة السلطان ، فعلمت أن هذا الرجل هو سلطان عُمان، وتملكني شيء من الحيرة؛ إذ لم أكن أدري هل أخاطبه بعبارة صاحب السمو أم صاحب الجلالة ، فقد كنت أعلم أن الحكومة البريطانية أقرت للسلطان تحيةً رسمية بإطلاق إحدى وعشرين طلقة مدفع، كما هو معمول به مع الحكام ذوي السيادة، بينما جرت العادة في المخاطبات الرسمية على استخدام لقب صاحب السمو .

وبعد ترددٍ قصير، اخترت أن أخاطبه بعبارة صاحب الجلالة باعتبارها الأقرب إلى ما رأيته من مكانة وهيبة، وما إن وقفت لأؤدي التحية حتى أشار إليّ السلطان مبتسمًا ابتسامة لطيفة، وقال: تفضل بالجلوس ، فجلستُ إلى جواره."

وخلال اللقاء دار حوار لافت بين السلطان تيمور بن فيصل والرحالة الياباني شيغا شيجيتاكا، يكشف عن نظرة السلطان المبكرة لأهمية التعاون الآسيوي والعلاقات مع اليابان.

فقد رحب السلطان بضيفه قائلاً: أهلًا وسهلًا بك في عُمان. أليست الجزيرة العربية واليابان جزءًا من آسيا؟ الأوروبيون يتولون شؤون أوروبا، أما نحن فعلينا أن نهتم بشؤوننا الآسيوية بأنفسنا. لماذا لا يأتي اليابانيون إلى الجزيرة العربية في أقرب فرصة؟ فإذا تمكنتم من تعزيز الصداقة بيننا، وأسهمتم في تنشيط التجارة وتطوير الصناعة هنا، فإن شعبينا قادران على تحقيق إنجازات كبيرة .

وقد أبدى شيغا إعجابه بهذا الطرح، وردّ على السلطان قائلًا إن هذه الأفكار هي ذاتها التي كان يتمنى نقلها إلى العرب باسم اليابان، متعهدًا بإيصال رغبات السلطان وتطلعاته إلى أبناء بلاده.

ولم يقتصر الحديث على التجارة والعلاقات الاقتصادية، بل امتد إلى الجوانب الثقافية والتاريخية؛ إذ طلب السلطان من ضيفه أن يرسل إليه ما سيكتبه عن عُمان بعد عودته إلى اليابان. كما أبدى استعداده لتزويده بالصور والمواد المرجعية إذا ما قرر الكتابة عن تاريخ العرب.

وقد تأثر الرحالة الياباني بما لقيه من حفاوة وتقدير، فعبّر عن امتنانه للسلطان قائلًا إن مجرد حصوله على هذا اللقاء يفوق ما كان يحلم به قبل وصوله إلى مسقط، ثم قدّم له هدية متواضعة تمثلت في مروحة حريرية يابانية كان قد حصل عليها خلال رحلته، فقبلها السلطان مبتسمًا وقال: بلادنا حارة، والمروحة وسيلة للتبريد، ولذلك يسعدني أن أقبلها .

واستغل شيغا المناسبة ليطلب من السلطان توقيعًا تذكاريًا، فلبّى السلطان طلبه.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة أثير الإلكترونية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة أثير الإلكترونية

منذ ساعة
منذ 12 ساعة
منذ 10 ساعات
وكالة الأنباء العمانية منذ 17 ساعة
صحيفة الرؤية العمانية منذ 17 ساعة
صحيفة الرؤية العمانية منذ 14 ساعة
صحيفة الشبيبة منذ 14 ساعة
إذاعة الوصال منذ 10 ساعات
صحيفة الرؤية العمانية منذ 13 ساعة
صحيفة الشبيبة منذ 18 ساعة
إذاعة الوصال منذ 11 ساعة