بعد عقد من الزمن، اقتنصت الرباط صدارة خريطة القوة الصناعية في القارة الإفريقية من بريتوريا، وسط تقدم مغربي لافت في الصناعات التحويلية، لا سيما في قطاعي السيارات والطيران، تؤكده الأرقام الرسمية.
تلك الصدارة التي أكدها مؤشر التصنيع في إفريقيا 2025، الصادر عن البنك الإفريقي للتنمية، يعود بحسب خبراء اقتصاد مغاربة تحدثوا لـ«إرم بزنس»، إلى تراجع نسبي لجنوب إفريقيا بسبب مشاكل الطاقة، ضعف النمو، وتراجع جاذبية الاستثمار، مقابل نمو صناعي متكامل ومتواصل للرباط، وجني لثمار سياسة التسريع الصناعي التي شرعت فيها منذ 2014، ضمن سياسات راسخة للدولة، متوقعين استمرار الصدارة المغربية مع تواصل النمو الصناعي.
المغرب يراهن على الطائرات المسيّرة لبناء قوة صناعية دفاعية
السيارات والطيران.. قطاعان يقودان الصعود الصناعي المغربي
أظهر المؤشر الذي يغطي الفترة ما بين 2010 و2024 ويقيم 54 دولة إفريقية أن المغرب تصدر لأول مرة قائمة الاقتصادات الصناعية بالقارة السمراء، متجاوزاً جنوب إفريقيا التي احتفظت بالصدارة منذ سنة 2010، مسجلاً نحو 0.8415 نقطة للرباط مقابل 0.8396 لبريتوريا التي سجلت 0.8819 نقطة في 2010، قبل أن تهبط في 2024 مع «تراجع قدراتها التنافسية».
ويرجع تقرير المؤشر الصادر حديثاً، هذا التقدم إلى التطور المستمر للقيمة الصناعية في المغرب وتقدمه في الصناعات التحويلية، لا سيما في قطاعي السيارات والطيران، لافتاً إلى أنه رغم تحسن مؤشرات التصنيع في 41 دولة من 54 دولة، إلا أن إفريقيا لا تمثل سوى أقل من 2% من الناتج الصناعي العالمي، و1.4% فقط من صادرات الصناعات التحويلية.
والأرقام الرسمية، التي أعلنتها وزارة التجارة المغربية في 2 يونيو الجاري تؤكد مواصلة الصعود للصادرات المغربية، مدعومة أساساً بأداء قوي لقطاعي الصناعات التحويلية السيارات والطيران.
وبلغت صادرات قطاع السيارات 58,282 مليار درهم (نحو 6 مليارات دولار) عند أبريل 2026، مسجلة نمواً بنسبة 18,6% مقارنة بالفترة ذاتها من السنة الماضية، فيما عزز قطاع الطيران، صادراته بنسبة 15,9% لتصل إلى 11,03 مليار درهم، وفي المجمل ارتفاعاً بنسبة 8,7 % لتبلغ 168,85 مليار درهم.
ووفق بيانات أوردتها إيكونوميست البريطانية في سبتمبر 2025، استقطب المغرب نحو 40 مليار دولار من الاستثمارات الصناعية الجديدة منذ 2020، ليصبح بين أكبر المستفيدين عالمياً، ونتيجة لذلك، ارتفعت صادرات البلاد بمقدار الثلثين خلال الأعوام الخمسة الماضية، موضحة أنه بفضل اتفاق التبادل الحر المبرم مع الاتحاد الأوروبي سنة 2000، تلاه إبرام اتفاقات تفضيلية مع 60 بلداً آخر، نجح المغرب في استقطاب استثمارات مهمة.
مئات السيارات بانتظار التصدير من ميناء طنجة المتوسطي - طنجة، 10 يوليو 2025
تحول حقيقي في خريطة الصناعة الإفريقية
وفي ضوء تلك الأرقام اللافتة، يعكس التفوق المغربي في مؤشرات التصنيع بإفريقيا، بحسب حديث الخبير الاقتصادي المغربي، الدكتور إدريس الفينة، لـ«إرم بزنس» تحولاً حقيقياً في خريطة الصناعة الإفريقية، بعدما ظلت جنوب إفريقيا لعقود القوة الصناعية الأولى في القارة.
وهذا الصعود المغربي جاء مع «تراجع نسبي لجنوب إفريقيا بسبب مشاكل الطاقة، ضعف النمو، وتراجع جاذبية الاستثمار، بينما في المقابل، المغرب بنى خلال السنوات الأخيرة منصة صناعية متكاملة تقوم على البنية التحتية، والموانئ، والمناطق الصناعية، والاستقرار، واتفاقيات التبادل الحر، وجلب الاستثمارات الأجنبية».
وسبق أن قدّر الرئيس سيريل رامافوزا أن جنوب إفريقيا تحتاج إلى استثمارات تصل إلى 1.6 تريليون راند (99 مليار دولار) في البنية التحتية للقطاع العام، إضافة إلى 3.2 تريليون راند أخرى من القطاع الخاص لتتمكن البلاد من تحقيق أهداف البنية التحتية بحلول 2030، بينما قال العاهل المغربي محمد السادس في خطاب يوم 30 يوليو 2025، إن المغرب يشهد نهضة صناعية غير مسبوقة، مع ارتفاع الصادرات الصناعية، منذ 2014 إلى الآن.
وأرجع تقرير نشره «بلومبرغ» مطلع يونيو، أن تراجع جنوب إفريقيا يعود إلى سنوات من نقص الكهرباء، وكبح الاستثمار وتراجع النمو الاقتصادي في جنوب إفريقيا، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي بمتوسط يقل عن 1% سنوياً خلال العقد الماضي.
ولذا فإن قوة المغرب، بحسب إدريس الفينة، لم تأت من هذه التراجعات الجنوب إفريقية، بل لأنه «لم يكتفِ بصناعة موجهة للسوق الداخلي، بل اندمج في سلاسل القيمة العالمية، خاصة في السيارات والطيران والصناعات الكهربائية، وسط نجاحات لميناء طنجة المتوسط، ومنظومات السيارات والطيران، وتطور الصادرات الصناعية مما هيأ المغرب لأن يتحول إلى قاعدة إنتاج قريبة من أوروبا ومفتوحة على إفريقيا».
وعن مكاسب هذه الصدارة، يرى الفينة، أنها «ستكون كبيرة، بين تحسين صورة المغرب الاستثمارية، وجذب شركات عالمية جديدة، وتقوية الصادرات، وخلق فرص شغل مؤهلة، ورفع مكانة البلاد في الصناعات الصاعدة مثل السيارات الكهربائية، والبطاريات، والطيران، والصناعات الدفاعية والطاقات النظيفة».
بدعم حكومي.. المغرب يراهن على الألعاب الإلكترونية لبناء اقتصاد رقمي
جني لثمار سياسية التسريع الصناعي منذ 2024
ويقر الخبير الاقتصادي والأكاديمي بالمعهد العالي للتجارة في المغرب، المهدي فقير، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن خريطة القوى الصناعية في القارة الإفريقية انحازت لصالح المغرب، في ضوء ما قدمته الرباط لاقتناص ذلك الموقع.
وأكد أن «الواقع يؤكد أن المغرب يجني اليوم ثمار سياسة التسريع الصناعي التي شرع فيها منذ 2014، ضمن سياسة دولة راسخة وليست مجرد سياسة حكومة عابرة»، مؤكداً أن «المغرب يعلم جيداً الأهمية البالغة للتصنيع في تكريس الهيمنة والقوة الاقتصادية، وعمد المغرب إلى اختيار معروض استثماري صناعي متميز مع تركيز على مستويين رئيسيين في التطوير الصناعي متمثلين في قطاعي السيارات والطائرات».
ولفت إلى أن النمو الصناعي جاء استثماراً واستفادة من ظرف عالمي دقيق، خصوصاً فيما يتعلق بالشريك الأوروبي الذي كان يريد ترشيد بنيته التحتية أمام الزحف المارد الصيني، واستغلت الرباط ذلك بذكاء وانسجام مع مع سياستها الصناعية الوطنية، مستندة في الوقت ذاته إلى تصنيف ائتماني جد مرض، بحكم ما تتوفر عليه من استقرار سياسي واقتصادي متين.
المغرب يستقبل 1.7 مليون سائح في مايو بارتفاع 13% سنوياً
آفاق المستقبل.. هل يحافظ المغرب على صدارته الصناعية؟
وعن المستقبل، يعتقد الأكاديمي بالمعهد العالي للتجارة في المغرب، الدكتور المهدي فقير أنه «من المؤكد اليوم أن المغرب يتطلع إلى الحفاظ على هذا التصنيف المتميز، وبناء على ذلك، سيعمل على تطوير صناعته بشكل متصاعد ومستدام، متفادياً الاعتماد على تموضع مؤقت لا يمكن الحفاظ عليه».
وهذا المسار، وفق المهدي فقير، «سيمكن المغرب من أن يصبح قوة اقتصادية ضاربة على الصعيدين القاري والمحلي، كما سيدفعه نحو تطوير هذه الاستثمارات كماً وكيفاً وفي هذا الإطار، لا سيما في الصناعات الدفاعية والصناعات الثقيلة، تطلعاً للانتقال إلى صناعات أخرى ذات قيمة مضافة عالية بخلاف صناعات الطائرات والسيارات».
ويتوقع أن «تستمر الأمور في هذا الاتجاه التصاعدي نظراً لارتكازها على سياسة دولة راسخة، وعمل مستدام، فضلاً عن ما ينتظر التميز المغربي من آفاق واعدة، مع بنية تحتية مينائية بالغة الأهمية، وكذلك بنى تحتية صناعية متطورة كماً وكيفاً، ما سيعزز بقوة المعروض الاستثماري الصناعي للمغرب، ويرسخ تموضعه الصناعي».
لكن الصدارة ما زالت ضيقة جداً لأن الفارق مع جنوب إفريقيا بسيط، وفق الفينة، مؤكداً أن «الحفاظ على الصدارة يتطلب انتقال المغرب من منطق التجميع إلى منطق القيمة المضافة العالية، عبر رفع الإدماج المحلي، ودعم الموردين المغاربة، وتطوير البحث والتطوير، وتكوين المهارات التقنية والهندسية».
وبتقدير إدريس الفينة، فإن «المغرب قادر على الحفاظ على هذا الموقع إذا واصل نمو مساره التصنيعي الاستراتيجي».
بنك الاستثمار الأوروبي يقرض المغرب 578 مليون دولار
أرقام قطاعي السيارات والطيران في المغرب
والمغرب الذي يعد أكبر مصدر للسيارات في إفريقيا، يمتلك قطاعه البارز أكثر من 269 شركة وأكثر من 230 ألف عامل مع قدرات إنتاج قال وزير الصناعة رياض مزور في مارس 2026، إنها بلغت مليون مركبة، بنسبة إندماج محلي تبلغ 70%.
كما حققت صادرات قطاع الطيران في المغرب قفزة نوعية، حيث ارتفعت من أقل من مليار درهم (100 مليون دولار) عام 2004، إلى أكثر من 26 مليار درهم (2.6 مليار دولار) عام 2024، قبل أن تصعد إلى 29 مليار درهم (3 مليارات دولار) في 2025.
ويضم القطاع الذي قفز تصنيفه العالمي من المركز 36 سنة 2012 إلى المركز 26 في عام 2023، ما يصل إلى، 150 شركة منها بوينغ، وإيرباص وسافران، ويعمل فيه 25 ألف شخص، وسط مستهدفات للوصول إلى أكثر من 50 ألفاً خلال السنوات المقبلة، بحسب بيانات وتقديرات رسمية.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

