تشو شيوان **
أصدر مكتب الإعلام التابع لمجلس الدولة الصيني مؤخرًا الكتاب الأبيض بعنوان "بناء منظومة حوكمة عالمية أكثر عدلًا وإنصافًا: مفاهيم الصين ومبادراتها وإجراءاتها"، والذي يوضح بصورة منهجية رؤية الصين ومقترحاتها ومساراتها العملية بشأن إصلاح الحوكمة العالمية. وفي الوقت الذي لا تزال فيه تداعيات الصراع الأمريكي-الإسرائيلي-الإيراني تُلقي بظلالها على منطقة الشرق الأوسط وتزيد من المخاطر الأمنية الإقليمية، يعود المجتمع الدولي ليدرك حقيقة أساسية مفادها أن التحديات العالمية لا يمكن لأي دولة مواجهتها بمفردها، وأن الأحادية وسياسة القوة لا تستطيعان توفير أمن دائم أو استقرار مستدام. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة أكثر من أي وقت مضى إلى بناء منظومة حوكمة عالمية أكثر عدلًا وإنصافًا.
تصاعد الصراعات يكشف عجز الحوكمة العالمية
لطالما شكّلت منطقة الشرق الأوسط إحدى أكثر المناطق حساسية في التفاعلات الجيوسياسية الدولية. وقد أدى التصعيد الأخير في التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إلى دفع المنطقة مجددًا نحو حافة مواجهة واسعة النطاق. فمن المخاطر التي تهدد أمن الملاحة في مضيق هرمز، إلى تقلبات أسواق الطاقة العالمية، ومن تنامي المخاوف الأمنية لدى دول المنطقة إلى تصاعد حالة القلق في الأسواق المالية الدولية، يتضح أن النزاعات الإقليمية لم تعد شأنًا محليًا أو إقليميًا فحسب، بل أصبحت تحديات ذات انعكاسات عالمية تمس الاستقرار والتنمية في مختلف أنحاء العالم.
والأكثر إثارة للقلق أن بعض الدول ما زالت تتعامل مع الأزمات الدولية من منطلق التفوق العسكري ومنطق الضغوط والعقوبات الأحادية وتشكيل التكتلات المتصارعة، ساعية إلى تحقيق أمنها على حساب أمن الآخرين. وقد أثبتت الوقائع أن مثل هذه السياسات لا تسهم في معالجة جذور الأزمات، بل تؤدي في كثير من الأحيان إلى تعميق الانقسامات وتوسيع نطاق التوترات.
ويكشف الصراع الحالي مجددًا عن وجود عجز واضح في منظومة الحوكمة العالمية يتمثل في تفاقم عجز السلام وعجز الأمن وعجز التنمية وعجز الحوكمة، فضلًا عن عدم تمثيل المصالح المشروعة للدول النامية بصورة كافية، وضعف قدرة بعض الآليات الدولية على التعامل الفعال مع الأزمات الكبرى. والعالم اليوم بحاجة إلى مزيد من التعاون متعدد الأطراف، لا إلى مزيد من المواجهة والاستقطاب، وإلى نظام دولي أكثر عدالة، لا إلى قواعد يفرضها الأقوياء على الآخرين.
الحوار هو الطريق الصحيح
وفي خضم هذه التوترات، برز تطور دبلوماسي لافت. فقد أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن إيران والولايات المتحدة توصلتا، بعد ثماني عشرة ساعة من المفاوضات، إلى وثيقة اتفاق سيتم الإعلان عنها من قبل الوسيطين قطر وباكستان. كما أوضح أن الجانبين ناقشا الأسس اللازمة لإطلاق مفاوضات نهائية بشأن الاتفاق، واتفقا على مواصلة الفرق الفنية عملها لمعالجة القضايا المتعلقة بتنفيذ مذكرة التفاهم بين الطرفين.
وتبعث هذه التطورات برسالة واضحة مفادها أن الحوار والتشاور يظلان السبيل الأكثر واقعية وفعالية لحل النزاعات، حتى في ظل الخلافات الحادة والصراعات الممتدة. فالحروب قد تغيّر الوقائع الميدانية مؤقتًا، لكنها لا تستطيع إزالة أسباب النزاع من جذورها، كما أن الضغوط العسكرية قد تفرض معادلات مؤقتة، لكنها لا تحقق سلامًا دائمًا.
كما أن الدور الذي اضطلعت به كل من قطر وباكستان في جهود الوساطة يعكس حقيقة مهمة، وهي أن الحوكمة العالمية ليست حكرًا على عدد محدود من القوى الكبرى، بل هي مسؤولية مشتركة تتطلب مشاركة جميع الأطراف المعنية. وتعقيدات قضايا الشرق الأوسط تؤكد أن الحلول المفروضة من الخارج يصعب أن تحقق نجاحًا مستدامًا، بينما يبقى احترام سيادة الدول ومصالحها الأمنية المشروعة وحقها في التنمية أساسًا لأي تسوية حقيقية.
الحل الصيني يجيب عن أسئلة العصر
في هذا السياق الدولي المعقد، تكتسب مضامين الكتاب الأبيض الصيني أهمية خاصة. فهو يؤكد أن تعزيز الحوكمة العالمية يتطلب التمسك بالتعددية الحقيقية، وصيانة مكانة الأمم المتحدة ودورها المحوري، وتحمل الدول الكبرى لمسؤولياتها، وتعزيز التضامن والتعاون بين مختلف الدول، ومعالجة أوجه العجز في مجالات السلام والتنمية.
وتنسجم هذه الرؤية مع موقف الصين الثابت تجاه.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية
