تستعد مصر لإطلاق منصة وطنية للسياحة الصحية خلال أسابيع قليلة، في خطوة تعوّل عليها القاهرة لرفع عوائدها الدولارية وزيادة أعداد الوافدين للبلاد بغرض العلاج والاستشفاء.
وستكون المنصة المرتقب إطلاقها بشكل رسمي، والتي تحمل اسم «Tour for Cure»، البوابة الرقمية الرسمية لتسويق الخدمات الصحية المصرية في الأسواق العالمية، وتقديم تجربة متكاملة للمرضى منذ لحظة البحث عن الخدمة وحتى انتهاء رحلة العلاج والعودة إلى بلدانهم، بحسب ما قاله وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار، خلال مشاركته في إحدى الجلسات المنظمة على هامش المعرض الطبي الإفريقي «Africa Health ExCon 2026»، قبل أيام.
واوضح الوزير خلال الجلسة، التي حضرتها «إرم بزنس»، أن المنصة ستتيح للمرضى الاطلاع على مقدمي الخدمات الصحية المعتمدين، والحصول على الاستشارات الأولية، وإتمام إجراءات الحجز بالمستشفيات، وتنظيم ترتيبات السفر والإقامة والاستقبال بالمطارات، فضلاً عن حجز البرامج السياحية المصاحبة.
البرلمان المصري يعتمد خطة تستهدف ناتجاً محلياً بـ24.5 تريليون جنيه
استراتيجية للسياحة الصحية
قال عبد الغفار إن «المجلس الوطني للسياحة الصحية في مصر، والذي تأسس منتصف العام الماضي، يعمل حالياً على تنفيذ استراتيجية وطنية متكاملة للسياحة الصحية تمتد لـ10 سنوات».
وأكد الوزير أن الاستراتيجية «تهدف إلى تعزيز تنافسية مصر كوجهة إقليمية وعالمية للعلاج والاستشفاء، وزيادة أعداد الوافدين، ودعم الإيرادات الاقتصادية، إلى جانب الاستفادة من المقومات السياحية المتنوعة التي تشمل السياحة الشاطئية والتراثية والتاريخية والاستشفائية».
وأضاف عبد الغفار أن بلاده «تمتلك ثروة كبيرة من المقاصد الاستشفائية الطبيعية التي تؤهلها لتكون مركزاً إقليمياً في هذا المجال»، مشيراً إلى أن «نجاح صناعة السياحة الصحية يرتبط بعناصر أساسية تشمل جودة الخدمات الطبية، وكفاءة الكوادر البشرية، والاعتماد والحوكمة، وتوافر المعايير الدولية التي تمنح المرضى الثقة في الحصول على رعاية صحية آمنة ومتميزة».
ورأى الوزير أن «السياحة الصحية تمثل إحدى الصناعات الواعدة القادرة على تحقيق قيمة مضافة كبيرة للاقتصادات الوطنية»، وأن بلاده «تنظر إليها باعتبارها منظومة متكاملة لا تقتصر على تقديم العلاج للمرضى الوافدين، بل تمتد لتشمل تجربة إنسانية وسياحية متكاملة تجمع بين الرعاية الصحية عالية الجودة والمقومات السياحية والثقافية الفريدة».
وأوضح أن «مصر تمتلك تاريخاً طويلاً في استقبال المرضى من مختلف دول الخليج وإفريقيا وآسيا، لكنها عملت خلال السنوات الأخيرة على الانتقال من الاعتماد على المبادرات الفردية والعلاقات المباشرة بين المرضى ومقدمي الخدمة إلى العمل المؤسسي المنظم، بما يضمن تعزيز القدرة التنافسية للقطاع وزيادة الثقة الدولية في الخدمات الصحية المصرية».
خريطة استثمارية متكاملة للسياحة الصحية
من جانبه قال الأمين العام للمجلس الوطني للسياحة الصحية في مصر، عمرو صدقي، إن بلاده بدأت مرحلة تأسيس وتنظيم قطاع السياحة الصحية بصورة مؤسسية للمرة الأولى، بعد سنوات طويلة من العمل الفردي غير المنظم.
وأضاف صدقي في مقابلة مع «إرم بزنس» على هامش المعرض الطبي الإفريقي «Africa Health ExCon 2026»، قبل أيام، أن المجلس يركز حالياً على بناء قاعدة بيانات دقيقة وحصر للمقومات الطبيعية والعلاجية التي تمتلكها الدولة، تمهيداً لإعلان مستهدفات مالية محددة من هذا القطاع الواعد.
وأوضح أن مفهوم «السياحة العلاجية» يختلف عن السياحة الصحية، حيث يقتصر الأول على الخدمات الطبية والعلاجية فقط، بينما تمتد السياحة الصحية لتشمل السياحة الاستشفائية المعتمدة على الموارد الطبيعية من مياه وينابيع وتربة وأعشاب ومناخ، وهو ما يمنح مصر فرصاً أوسع للاستفادة من هذا القطاع الواعد.
وكشف أن «المجلس الوطني للسياحة الصحية يضع حالياً الأسس الأولى لإعداد خريطة استثمارية متكاملة للسياحة الصحية في مصر، تبدأ بحصر وتقييم الموارد الطبيعية في مختلف المحافظات، بما يشمل الينابيع والبحيرات والمناطق ذات الخصائص البيئية والعلاجية المتميزة، تمهيداً لتحديد الاستخدامات المثلى لكل منطقة وفقاً للمعايير الطبية والعلمية المعتمدة محلياً ودولياً».
فرص استثمارية واعدة
أشار صدقي إلى أن «إعداد الخريطة الاستثمارية يتطلب مراحل متعددة تشمل تحديد مواقع الموارد الطبيعية، ودراسة تبعيتها الإدارية، وتحليل خصائص المياه والتربة والأعشاب والمناخ، والاستعانة بالمتخصصين لتحديد الأمراض والحالات التي يمكن علاجها أو التخفيف من آثارها في كل منطقة، بما يتيح توجيه الاستثمارات إلى المواقع المناسبة وفق رؤية علمية دقيقة».
وأكد صدقي أن الخطة تستهدف تطبيق نظام «التقسيم التخصصي للمناطق» (Zoning)، بحيث يتم تخصيص مناطق لأنماط محددة من الخدمات الصحية والاستشفائية، مع تحديد مواقع المستشفيات والعيادات والخدمات الفندقية والأنشطة المرتبطة بها، بما يضمن تحقيق التكامل بين الموارد الطبيعية والبنية التحتية والخدمات الطبية.
حصر مواقع الاستشفاء
وكشف صدقي أن أعمال الحصر الأولية للمواقع الاستشفائية رصدت أكثر من 1300 عين وينبوع طبيعي على مستوى الجمهورية، إضافة إلى عدد من البحيرات والمواقع ذات المقومات الاستشفائية.
وقال إن «عمليات التقييم ستحدد المواقع القابلة للتطوير والاستثمار الفعلي، الأمر الذي قد يفتح المجال أمام مئات المشروعات الجديدة في قطاع السياحة الصحية خلال السنوات المقبلة».
وأشار إلى أن «المجلس الوطني للسياحة الصحية يعمل بالتوازي على دمج الكيانات القائمة بالفعل في المنظومة الجديدة، خاصة الفنادق البيئية والمنشآت الموجودة في المناطق النائية التي تمتلك مقومات طبيعية تؤهلها للعمل في مجال السياحة الاستشفائية».
وأضاف أن عدداً من هذه المنشآت «أبدى اهتماماً بالانضمام إلى منظومة السياحة الصحية خلال الفعاليات والمؤتمرات الدولية التي شاركت فيها مصر مؤخراً».
مصر.. أسعار الخضروات والفاكهة مستقرة وشائعات تربك الأسواق
ما هي العوائد المستهدفة من السياحة الصحية؟
اعتبر صدقي أنه «من المبكر نوعاً ما الحديث عن عوائد مصر المستهدفة من السياحة الصحية، خاصة أن المجلس الوطني لا يزال يعمل على البنية الأساسية للمنظومة، وتحديد المواقع والمشروعات المقرر طرحها للمستثمرين».
وقدّر صدقي حجم الاقتصاد العالمي للسياحة الصحية بما يلامس 7 تريليونات دولار، وقال «إن هذا الرقم لا يقتصر على الخدمات العلاجية فقط، وإنما يشمل الاستثمارات العقارية والفندقية ومراكز التدريب والخدمات المساندة وسلاسل القيمة المرتبطة بالقطاع».
وقال إن «الهدف الرئيسي للمجلس الوطني للسياحة الصحية حالياً يتمثل في تحديد نصيب مصر من هذه السوق العالمية عبر تخطيط علمي واستثماري مدروس».
وأكد أن «المجلس يفضل التحرك وفق دراسات متخصصة بدلاً من التوسع السريع غير المدروس»، موضحاً أن «الإعلان عن مستهدفات استثمارية أو عوائد متوقعة سيكون بعد الانتهاء من أعمال الحصر والدراسات الفنية، بما يضمن تقديم رؤية دقيقة وقابلة للتنفيذ تعظم الاستفادة الاقتصادية من مقومات مصر الطبيعية الفريدة في مجال السياحة الصحية».
بدوره، قال مسؤول حكومي لـ«إرم بزنس» إن مصر تتطلع لاستقطاب ما يتراوح بين 200 و300 ألف زائر سنوياً للعلاج والاستشفاء داخل كياناتها الصحية والاستشفائية.
وأضاف المسؤول الذي فضّل عدم ذكر اسمه، أن بلاده تطمح لرفع عوائد السياحة الصحية إلى ما يتراوح بين مليار و1.2 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2030.
وأوضح أن القاهرة تعمل على حزمة من الإجراءات لبلوغ مستهدفاتها، من بينها استحداث تأشيرات خاصة للسياحة العلاجية لتسهيل دخول المرضى، وتصميم برامج سياحية بأسعار تنافسية، فضلاً عن زيادة عمليات الترويج لمناطق الاستشفاء الطبيعية.
إلى ذلك، أعلنت الهيئة العامة للرعاية الصحية في مصر، نهاية مارس الماضي، عن تحقيق البلاد إيرادات بلغت نحو 8 ملايين دولار من خدمات السياحة العلاجية خلال عام 2025، مقابل 3.7 مليون دولار في 2024، بنمو 76%.
واستقبلت مصر نحو 35 ألف سائح علاجي من 124 دولة خلال العام الماضي، بما يعكس تنوع الأسواق المستهدفة واتساع نطاق الانتشار الدولي للخدمات الصحية المصرية.
وتعد العوائد المحققة لمصر من السياحة العلاجية ضئيلة جداً مقارنة بالإيرادات التي حققها القطاع السياحي خلال عام 2025 والمقدرة بنحو 18.2 مليار دولار، بحسب بيانات البنك المركزي المصري.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

