أكتب هذه الكلمات من بريطانيا، حيث جئت لزيارة ابني الدكتور رائد، الذي يعمل في جنوب غرب لندن. هنا تبدو المسافات أقل وضوحًا مما ترسمه الخرائط؛ فهي لا تُقاس بالأميال، بل بما تتركه في القلب من حنين. أحمل شوق الأب إلى ابنه، وشوق الجد إلى حفيده نارت؛ ذلك الصغير الذي يجعل العائلة وطنًا متنقلًا، ويمنح الغربة المؤقتة دفء الانتظار. وفي هذا القرب العائلي، ظل الأردن قريبًا مني بطريقة أخرى. فالوطن لا يغيب حين نغادره، بل ينتقل معنا إلى الذاكرة والصوت والقلق. وحين يدخل النشامى الملعب، لا أرى أحد عشر لاعبًا فقط، بل أرى جزءًا من البلاد يقف أمام العالم محاولًا أن يمنح حلمًا قديمًا شكلًا جديدًا. انتظرت مباراة الأردن والجزائر حتى الرابعة فجرًا بتوقيت بريطانيا. قاومت النوم لا لأنني خبير في كرة القدم، بل لأن بعض المباريات لا نتابعها بحثًا عن النتيجة وحدها؛ نتابعها لأننا نبحث فيها عن أنفسنا، عن قدرتنا على الصمود، وعن تلك اللحظة التي يمكن فيها للإرادة أن تختصر المسافة بين الحلم والحقيقة. بعد صافرة النهاية، بقيت المباراة مستيقظة في ذهني. ظلت تفاصيلها تتردد كما تبقى الرحلة في ذاكرة الطيار بعد الهبوط: قرار تأخر، فرصة مرت، وإشارة ظهرت ثم لم تُقرأ في وقتها. وحين غلبني النوم ونمت معظم النهار، استيقظت لأجد أن المباراة انتهت في الملعب فقط، أما في داخلي فكانت ما تزال تطرح سؤالها: لماذا لم تكن النتيجة معكوسة، هدفين للأردن وهدفًا للجزائر؟ كنت قد كتبت بعد مباراة النمسا مقالًا بعنوان: "عندما أقلعت أحلام النشامى نحو كأس العالم". واليوم أكتب مرة ثانية لا بصفة محلل رياضي، بل بصفة طيار متقاعد يتابع كرة القدم منذ ثمانينيات القرن الماضي، ويتمنى أن تصل كلماته إلى مدرب النشامى والقائمين على المنتخب بوصفها صوت محبة وحرص، لا صوت ادعاء أو تجريح. أقرأ الملعب كما كنت أقرأ أجهزة الطائرة: أبحث عن التوازن، وأراقب تغير الاتجاه، وألتقط العلامات الأولى للاضطراب، ثم أسأل: متى بدأ المسار ينحرف؟ ولماذا لم يُتخذ القرار حين كان التصحيح لا يزال ممكنًا؟ في رأيي، لم يخسر الأردن لأن الجزائر كانت الأفضل طوال اللقاء، بل لأنها كانت أقدر على امتلاك اللحظة الحاسمة. وفي كرة القدم، كما في الطيران، لا يكفي أن تسير الرحلة جيدًا معظم الوقت؛ فقد تغيّر دقيقة واحدة مصير كل.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
