في أواخر شهر أيار/ مايو، اجتمعتُ مع مجموعة من الزملاء والطلاب في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية، حيث كنتُ أستاذًا زائرًا خلال العام الدراسي 2024–2025، لمناقشة موضوع الاستشراق ودلالته المعاصرة. وفي ختام الجلسة، طرح الزملاء سؤالين لافتين: أولًا، هل لا يزال الاستشراق قائمًا؟ ثانيًا، هل من الأنفع التخلّي عن المصطلح، لأنّه لم يعد يصف واقعاً فعليًا؟.
لا بدّ من الالتفات إلى مثل هذه الأسئلة؛ إذ لا يزال كثيرون يتشبّثون بتصورات عن الاستشراق لم تعد لها صلة بالواقع، ويوظّفها بعضهم لأغراض بعيدة عن العلم والمعرفة ورسالة الجامعة، مما يعزّز الاعتقاد بأنّ العلاقة بين الشرق والغرب لا يمكن أن تتجاوز العداء والصدام. غير أنّ هذا التصوّر يحجب عن الطالب الآفاق الجديدة التي أخذت تتبلور في السنوات الأخيرة في حقل الاستشراق، وهي آفاق من شأنها أن تحرّره من أثقال الماضي، فتتيح له الإسهام في تعزيز الروابط الفكرية بين الشرق والغرب.
أولًا، ينبغي التمييز بين الاستشراق والدراسات الشرقية. فالأوّل يقوم على افتراض أنّ بعض الثقافات أرقى من غيرها بطبيعتها، وأنّ الشرق والغرب محكومان بالصدام لا بالتفاهم. أما الدراسات الشرقية فهي دراسة الشرق، أدناه وأقصاه، من حيث لغاته وأديانه ومجتمعاته وآدابه، وسائر مظاهره الإنسانية، بهدف تحصيل العلم والمعرفة لذاتهما، لا توظيفهما لأغراض أخرى.
كما ينبغي القول استنادًا إلى خبرتي في بلدان العرب على مدى خمسةٍ وثلاثين عامًا إنّ الحديث عن الاستشراق في هذه البلدان ينصرف في الغالب إلى الدراسات الإسلامية في الغرب، ويغلب عليه الاعتقاد بأنّ الغاية منها إضعاف الأمّة الإسلامية وإثارة الفتنة في صفوفها. غير أنّ المتخصّص يدرك أنّ دراسة الإسلام في الغرب قد مرّت بتحوّلات متعدّدة، ارتبط كلّ منها بسياقه الفكري وافتراضاته المعرفية والمنهجية. وبوجه عامّ، يمكن الحديث عن ثلاث مراحل في دراسة الإسلام في الغرب.
مع بروز الحداثة، ولا سيما منذ القرن التاسع عشر، تغيّرت الموازين مع صعود القوى الغربية وبسط هيمنتها على بلدان الشرق، بما فيها بلدان العرب. فمن جهة، استفادت هذه القوى من الدراسات الشرقية في إدارة الأقاليم التي أُلحقت بمشاريعها الاستعمارية. ومن جهة أخرى، وبفعل هذه الهيمنة العالمية، ترسّخ لدى كثيرين، في الشرق والغرب على السواء، افتراض مؤدّاه أنّ الغرب يتبوّأ بطبيعته موقع الصدارة في الحضارة الإنسانية، وأنّ سائر الشعوب لا سبيل لها إلى التقدّم إلا بتقليده. لذا شاع الاعتقاد بأنّ المشاريع التعليمية الرامية إلى ترقية الشعوب الأخرى ينبغي أن تسير جنبًا إلى جنب مع مسار الاستعمار.
والأهمّ من.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور الأردنية
