في صيف عام 1933، وصل المستشار النمساوي إنغلبرت دولفوس إلى منتجع "ريتشوني" الإيطالي للقاء حاكم إيطاليا بنيتو موسوليني. كانت النمسا تحت ضغط متزايد من الدعاية والتحريض النازي عليها، وكان دولفوس يريد ضماناً من روما بأن إيطاليا ستقف في وجه أي محاولة ألمانية لابتلاع بلاده. لكنه حين وصل، وجد موسوليني في البحر، يسبح كمن لا يعنيه مستقبل أمة بأسرها.
لم ينتظر دولفوس على الشاطئ طويلاً. أخذ قارباً صغيراً، واقترب من الزعيم الإيطالي، وعاد الاثنان إلى الساحل وسط تصفيق المصطافين.
كانت الصورة أبلغ من البيان السياسي. موسوليني عاري الصدر تقريباً، ضخم الجثة، يستعرض جسداً يريد أن يكون صورة الدولة الفاشية. ودولفوس، القصير بملابسه الرسمية، يبدو إلى جواره ممثلاً لعالم قديم يتداعى. لم يكن المشهد عن النمسا وإيطاليا وحدهما. كان عن الطريقة التي أراد بها موسوليني أن تُرى إيطاليا الفاشية: شابة، قوية، منضبطة، واثقة من جسدها ومن مستقبلها.
بعد أشهر قليلة، كانت إيطاليا تستعد لاستضافة كأس العالم عام 1934. النسخة الثانية من البطولة التي وُلدت قبل أربعة أعوام في أوروغواي كحلم كروي عابر للأطلسي، دخلت في نسختها الجديدة مختبر السلطة والسياسة. في مونديال 1934 لم تعد المسألة فقط أن تُقام مباريات بين منتخبات في إطار بطولة كروية، بل صارت البطولة نفسها استعراضاً لقدرات الدولة، وصناعة لصورتها، وتثبيتاً لسردية سياسية عن أمة خرجت من الارتباك إلى النظام، ومن الضعف إلى القوة، ومن العفوية إلى الانضباط الفاشي.
لماذا أرادت إيطاليا البطولة؟
لم يكن موسوليني عاشقاً كبيراً لكرة القدم بالمعنى التقليدي. لكنه كان يفهم، مثله مثل عتاة الفاشية، وبحدس رجل دعاية قبل أن يكون رجل دولة، أن الرياضة تمنح السياسة ما لا تمنحه الخطب وحدها: جسداً وكياناً مرئياً. لذا كان يكثر الظهور في صور وهو يمارس التزلج أو يمتطي الخيل أو يقف عاري الصدر، لأن الفاشية عنده لم تكن فكرة مجردة فقط، بل تمثيلاً مستمراً للقوة والفتوة والصلابة.
من هنا بدا المونديال للقيادة الفاشية فرصة نادرة. إيطاليا كانت قد توحدت سياسيًا في القرن التاسع عشر على أشلاء وأطلال الإمبراطورية الآفلة، لكن فكرة الأمة الإيطالية الواحدة كانت لا تزال تحتاج إلى رموز مشتركة تلتف حولها الأمة التي كانت في مهدها. كرة القدم، بجماهيرها وصحفها وملاعبها، كانت قادرة على أن تفعل ما تفعله الأناشيد والأعلام والمدارس، تزرع في الناس أفكاراً متشابهة وتجمع الناس حول الرمز؛ المنتخب في هذه الحالة.
وكان النظام الفاشي يعرف أن الانتصار الخارجي يصلح لتثبيت الداخل. فإذا فازت إيطاليا في بطولة عالمية على أرضها، فلن يكون ذلك، في الخطاب الرسمي، إنجاز منتخب فقط، بل برهاناً على صلاحية النظام نفسه وقدرته على الإنجاز.
لهذا لم يكن تنظيم مونديال 1934 قراراً رياضياً أو إدارياً فحسب، بل سبقته عملية أوسع لإعادة هندسة كرة القدم الإيطالية.
في مؤتمر "فياريجيو" أواخر عام 1925 وبدايات عام 1926، اجتمع صحفيون ومسؤولون كرويون لرسم مستقبل اللعبة.
فُتح الباب أمام أندية الجنوب لدخول المنافسة الوطنية، ومُهد الطريق للاحتراف، ثم ظهرت "سيريا آ" كمسابقة وطنية حقيقية في موسم (1929-1930). وُضعت قيود على اللاعبين الأجانب في محاولة لبناء ثقافة كروية إيطالية، لكن الأندية سرعان ما وجدت طريقاً ملتوياً عبر لاعبي أمريكا الجنوبية ذوي الأصول الإيطالية، المعروفين باسم "أوريوندي إيتاليانو" أي "الشتات الإيطالي".
كان ذلك تناقضاً فاشياً بامتياز، خطاب عن النقاء الوطني، وحاجة عملية إلى استيراد الموهبة من الخارج. فإيطاليا التي أرادت أن تقدم نفسها بوصفها أمة مكتفية بذاتها، لم تتردد في الاستفادة من لاعبين مثل لويس مونتي ورايموندو أورسي وإنريكي غايتا وغيرهم من اللاعبين القادمين من الضفة الأخرى للأطلسي. في السياسة كما في الكرة، كانت الغاية تبرر الوسيلة.
الفيفا في وجه سلطة تعرف ماذا تريد
تكشف نسخة عام 1934 شيئاً مبكراً عن علاقة الفيفا بالسلطة. فالمنظمة التي حلم أبوها الروحي جول ريميه بأن تكون جسراً كروياً بين الأمم، وجدت نفسها أمام نظام استبدادي يدرك قيمة البطولة أكثر مما تدركها بعض الديمقراطيات الأوروبية.
لم تكن الفيفا في الثلاثينيات إمبراطورية تجارية كما هي اليوم، لكنها كانت تملك شيئاً بالغ الأهمية وهي الشرعية الدولية.
ومنح إيطاليا حق الاستضافة يعني أن العالم الكروي يعترف بروما مسرحاً للبطولة وأن الأنظار ستسلط عليها.
لم تكن الفيفا في تلك اللحظة شريكاً بالمعنى المباشر للسلطة الإيطالية أو متآمرة معها بقدر ما كانت تجهل قوة ما تمتلك. كرة قدم المنتخبات كانت ما تزال تتحسس خطاها وتكتشف قوتها، بينما كانت الأنظمة السلطوية أسرع في فهم تلك القوة. موسوليني لم يكن ينتظر من الفيفا أن تكون شريكة في الدعاية، بل أن تتيح له المنصة والفرصة. وحين تصل الفرصة إلى بلد يملك دولة مركزية فاشية، وصحافة مسيّسة، وملاعب معدة للاستعراض مسبقاً، فإن الحياد الرياضي يصبح حلماً بعيد المنال، حتى لو لم تصدر تعليمات مكتوبة.
امتناع أوروغواي، بطلة عام 1930، عن السفر إلى إيطاليا زاد من معنى البطولة. فغياب حامل اللقب ترك الساحة شاغرة أمام منتخبات أوروبا، وبالأخص أمام الصراع الإيطالي النمساوي. كانت النمسا، بفريقها الشهير "فريق المعجزات"، تمثل تحدياً حقيقياً لموسوليني. وإذا كان "الدوتشي" قادراً على التفوق بصورته الجسدية على دولفوس في ريتشوني، فإن التغلب على هوغو مايسل وماتياس سينديلار في الملعب كان مسألة أعقد بكثير.
كرة القدم مسرحاً للفاشية
استثمرت الدولة الإيطالية في البنية التحتية الكروية. لم تكن الملاعب مجرد أماكن للفرجة، بل واجهات سياسية. بعضها حمل أسماء ودلالات فاشية صريحة، مثل ملعب "الحزب الوطني الفاشي" في روما، أو ملعب "جيوفاني بيرتا" في فلورنسا، وهو فاشيّ قُتل في اشتباكات مسلحة على يد اليساريين وخلدته إيطاليا الفاشية باعتباره شهيدها. في مثل هذا السياق، يخرج الملعب من حيز المكان إلى حيز المعنى والرمز السياسي، فلا يدخل اللاعب إلى ملعب محايد بل إلى نص سياسي مكتوب بالحجر والخرسانة واللافتات والجماهير.
كان الجمهور جزءاً من المسرح أيضاً. في مباراة لإنجلترا في روما عام 1933، تركت الهتافات المؤيدة لموسوليني انطباعاً ثقيلاً لدى المسؤولين الإنجليز. كانت المدرجات الإيطالية جزءاً من حالة تعبئة عامة، تتداخل فيها الوطنية بالولاء للنظام، والحماس الرياضي بالطقس السياسي.
أما الصحافة، فقد أدت دورها في تضخيم المعنى ومنذ ما قبل المونديال الإيطالي بسنوات. ينقل مؤلف كتاب "المجد والقوة: تاريخ كأس العالم"، جوناثان ويلسون أن صحيفة "Il Littoriale" الفاشية كتبت عام 1928 أن الانتصارات الرياضية الإيطالية في الخارج كانت "علامات واضحة على التفوق العرقي" تمتد آثارها إلى مجالات خارج الرياضة. الانتصارات لم تكن تقرأ بوصفها تفوقاً تكتيكياً أو مهارة فردية فحسب، بل دليلاً على "القوة المعنوية" و"الرجولة" و"نضج" الدولة الجديدة.
مبكراً، ربطت صحف فاشية بين التفوق الرياضي وفكرة التفوق العرقي أو الحضاري. هكذا تحولت نتيجة مباراة إلى علامة على صحة مشروع سياسي كامل. بينما نشرت صحيفة "La Gazzetta dello Sport" في 11 يونيو/حزيران 1934، بعد التتويج بالمونديال، في صفحتها الأولى عنواناً يقول: "الانتصارات الكبرى للرياضيين الفاشيين باسم الدوتشي ومن أجل جائزته".
بوزو بين المدرب والنظام
وسط هذا المسرح وقف فيتوريو بوزو، مدرب إيطاليا حائراً متأرجحاً بين الكرة والسلطة. من السهل اختزال المدرب في صورة رجل النظام، لكن ذلك لا يفسر تعقيد شخصيته.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
